عن الخطاب التكفيري ... مجدداً!
تاريخ النشر : 2013-12-16 14:16

كان السّائق يقود سيّارته على كورنيش الاسكندريّة ببطء يفرضه الازدحام، وقد حرص على أن يعرض وجهة نظره السياسيّة بهدوء يتعارض مع الغصّة التي تستشعرها في ترددات حنجرته. غير أن صوته علا فجأة وهو يقول:
ـ لستُ كافراً. لكنني توقفت عن الصلاة. حتّى التردد على الجامع يوم الجمعة أقلعتُ عنه!
ران صمت طويل. ولمّا لم يجد من طرفي ردّة فعل استنكاريّة أو استفساريّة على الأقل، قال مستغرباً:
ـ يعني حضرتك ما سألتنيش ليه؟!
قلت له:
ـ أنا لا أسأل أحداً عن صلاته وصيامه، ولا أسمح لأحد أن يسألني.. "وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". إنها ديمقراطيّة الاختيار التي لا يؤمن بها المكفِّرون. ثم إنني لن أجيبك إذا ما سألتني عن ديني، مسيحياً كنتُ أم مسلماً أم يهودياً أم بوذياً.. أو حتّى لادينياً!
وأضفت بين جدّ ومزاح:
ـ في أوروبا والدول المتقدِّمة، يستطيع الشّخص الذي تطرح عليه مثل هذا السؤال أن يقاضيك، وقد يقودك الأمر إلى السِّجن أو دفع غرامة باهظة.
قال ضاحكاً:
ـ وعلى إيه؟!
ثم استطرد:
ـ.. لكنني سأقول لك لماذا توقفت عن الصلاة والتردد على الجامع. فأنا مثل معظم المصريين لم أكن أقطع فرضاً، ولم أنقطع عن الذهاب إلى الجامع للصلاة جماعة. لكنهم ضلّلونا عندما قالوا لنا أن الإسلام هو الحلّ.. وأن الإخوان هم من سيطبِّق تعاليم الله، وهم الأقدر على إقامة دولة العدل والمساواة. كذبوا علينا، واستغلّوا المنبر لأغراضهم السياسيّة، وبمجرّد وصولهم إلى البرلمان ومجلس الشورى والرئاسة، تخلّوا عنّا ونسوا أننا وقفنا معهم. أراهنك أنهم لن يعرفونا ويتكلموا معنا قبل أن تكون هناك انتخابات أخرى قادمة. فقدنا الثقة بهم وأصبحنا نخشى من سيطرتهم على الجامع. إنهم يعملون على طمس خداعهم ونفاقهم وتضليلهم بترديد كلمات الله بصوت يزداد ارتفاعاً يوماً بعد يوم، كلما استولوا على مواقع جديدة في السُّلطة.
وانتهى بأن أخذ يردد:
ـ لقد كفّرونا. مع أننا لم نكفر إلاّ بهم.. وبأساليبهم!
* * *
واقعة صغيرة تبدو نافلة، مررت بها شتاء العام الماضي، في ذروة الرّفض الشعبي المصري العارم لحكم الفاشيّة الدينيّة ممثلة بتنظيم الإخوان المسلمين، غير أنها على بساطتها، تضمّنت معانٍ لا تُخفى دلالاتها. فالمصريون بطبعهم، شعب متديِّن دون إكراه أو تعصُّب، وقد كان الإيمان الديني البسيط هو الذي قادهم إلى صناديق الاقتراع ليمنحوا أصواتهم لرافعي شعار "الإسلام هو الحلّ"، دون أن يبحثوا في داخل الشعار عن برنامج سياسي واقتصادي عملي يمسّ مشكلاتهم اليوميّة ويجتهد في وضع حلول لها.
في ذروة حكمهم، نظر الإخوان إلى المتشكك في شعاراتهم المغلّفة بخطاب دينيّ شكلي، والمفرغة من أيّ معنى، ليس باعتباره معارضاً سياسياً، بل كعدوّ للإسلام، إن لم يكن "كافراً" يستحقّ العقاب، رغم أن مثل هذا الشّخص، بطبعه وتربيته الاجتماعيّة، يبقى في قناعاته الدينيّة المتأصِّلة، أكثر إيمناً والتزاماً من القوى المتأسلمة التي ترفع الشعار! 
ونظرة إلى النتائج التي توصّلت إليها دراسة استقصائيّة لمعهد غالوب الأميركي حول التديُّن بين شعوب العالم، تبيّن أن الشعب المصري هو الأكثرتديناً. وقد أعطت الدراسة مثالاً على ذلك، حين أشارت إلى أن اللص المصري يشرع في عمليّة السرقة وهو يبسمل ويدعو ربّ العالمين بالتوفيق والسِّتر. فيما يتردّد الشيوعي هناك على الجامع لتأدية الصلاة، من غير أن تحول الأيدولوجيا التي يعتنقها دون ارتداء زوجته الحجاب. وقد تكون أقصى أمانيه تأدية فريضة الحج، وزيارة قبر الرسول!
***
نصّ قانونيّ لافت، نشرته مجلّة "فصول" المصريّة (العدد المزدوج 81 ـ 82، ربيع وصيف 2012) تحت عنوان "لا عقاب على خيال"، وهو يتضمّن الحكم في قضيّة عادل إمام وعدد من الكتّاب والفنانين، والمتعلِّقة بدعوى تحقير وازدراء الدين الإسلامي والتعدي عليه، وإثارة الفتنة، وتحقير الجماعات الإسلاميّة.
لقد أقرّت المحكمة في نصّ حكمها (الذي نعتقد أنه سيقف إلى جانب نصّ المستشار محمّد نور، الذي برأ طه حسين وكتابه "في الشعر الجاهلي")، أن "لا حصانة لفكر ديني؛ وإنما الحصانة للدين ممن يستخدمونه لمآربهم الشخصيّة". ورأت أن النقد الموجّه لتيار فكري ديني، لا تجريم عليه.
وذهبت المحكمة إلى القول بأن الردّة، أي الكفر بعد الإسلام، ورغم توعد القرآن لمقترفها بأشد العقاب، إلا أن "كتاب الله" خلا من نصّ واضح يتضمّن عقوبة دنيويّة محددة حيالها. بمعنى أن الإيمان والكفر هي مسائل من أمر الخالق، وعقاب الكفر هو إلهي، وليس من حقّ البشر. وقد جاء في الكتاب: "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا" (النساء 137). ما يعني أن الباب يبقى مفتوحاً للمرتد للتراجع عن كفره والعودة إلى الإيمان، وهو ما جعل الحكم القضائي يقرر، دون مواربة: ".. فلو كانت جريمة الكفر هي القتل، فإن هذا غلق الباب أمام إمكانية العودة إلى الإيمان، وهو ما يتعارض وهذه الآية، ويعني غلق باب التوبة".
الذين يغلقون باب التوبة المشرّع دائماً، ويرددون الخطاب التكفيريّ، محرصين على إيقاظ النار وشبق الدم.. هم صنّاع الفاشيّة الدينيّة بامتياز!.