(1) "جنون" البلد ... والسابقة الهامة
مرت ايام الاسبوع الماضي على البلاد عصيبة ومتشنجة مجنونة تصاعدت خلالها لهجة التحدي وصوره؛ فلتت البلد من عقالها، وباتت القدرة على التفاوض أو الوصول الى حدود وسط معدومة، وبات كل طرف؛ الاتحاد العام للمعلمين والحكومة يصعد الشجرة العالية دون حسبان بل دون مسؤولية أحيانا.
مَثَلَ رفضُ الاتحاد العام للمعلمين تنفيذَ قرار محكمة العدل العليا وقف الاضراب، بغض النظر عن صوابية القرار أو عدمه، وبغض النظر عن الاتفاق معه أم لا، وكذلك بغض النظر عن تبريرات الاتحاد وإجراءاته للالتفاف على القرار، ضربة قوية لسيادة القانون على ضعفه اصلا، وهي المرة الاولى الذي يتحدى بها كيان او مؤسسة علانية قرار المحكمة ويرفض تنفيذه. هذا شكل عملا غير مسؤول من الاتحاد في تعامله مع القضاء الذي يمثل المعقل الاخير للحريات.
كما أن زجَ الحكومة القضاء في المعركة "سياسية" انطوى على مخاطرة تجسدت وتجسمت بإحراق السفن أو استخدمت الطلقة الاخيرة في المعركة، أو انها جازفت الى حد المخاطرة باستخدام اللعبة "المعادلة" الصفرية أو الوصول الى حافة الهاوية. ربما كان على الحكومة استخدم "ورقة" القضاء في مناقشة قانونية أو عدم قانونية إحدى مطالب الاتحاد "تطبيق علاوة المعلم على الموظفين الاداريين في وزارة التربية والتعليم" لا أن تذهب الى وقف الاضراب أو منعه بقرار قضائي. وربما كان لها أن تقنع الجمهور بعدم قانونية بعض طلبات الاتحاد باعتباره حكما أو عامل ضغط على الاطراف.
وجه استعجال النائب العام القيام بالتحقيق مع أعضاء الامانة العامة لاتحاد المعلمين صفعة قوية للحريات في البلاد على الرغم من كونه اجراء قانوني لا جدال فيه، خاصة ان تحدي الاتحاد قرار المحكمة لقي معارضة من أغلب قادة الرأي والكتاب والمثقفين والفاعلين السياسيين والاجتماعيين، الا أنه أظهر أن الحكومة قليلة النَّفَس، وعصبية، ولا تتحمل الضغط وربما الاعباء الثقيلة، أو ربما لا تمسك بناصية المعركة، وبأنها قمعية واستبدادية تمنع الحريات لدى البعض على الاقل.
قرار النائب العام بالتحقيق أثار استياء الناس من ناحية، لكنه حقق سابقة ينبغي التمسك بها، وهي تحريك الدعوى الجنائية على كل من لا ينفذ قرارات المحاكم، خاصة قرارات محكمة العدل العليا، من المسؤولين من وزراء ومسؤولي الاجهزة والمؤسسات، مما يتطلب من مؤسسات المجتمع المدني تحديدا التمسك بهذه السابقة والضغط على النائب العام لدفعه بتحريك الدعاوى الجنائية على بعض المسؤولين الذين لا يمتثلون لقرارات المحاكم.
اعتقد أن مسؤولي البلد لم يقرأوا كتاب "من فمك أدينك" للكاتب الجزائري الكبير الطاهر وتار، أو المثل الشعبي "كما تدين تدان"، فليس دائما الوصول الى حافة الهاوية محمود النتائج؛ فقد يصل بنا الى جنون البلد بدلا من عقلنتها أو عقلنة الادوات على الاقل.
(2) "أمراء" البلد ... ونفض الخبار
هالني المقال الذي نشر على موقع وطن للأنباء تحت عنوان "نريد رئيسا لسلطة المياه وزيرا وليس سفيرا"، على الرغم من أن هذا المقال يتحدث عن حالة خاصة الا أنها موجودة وبأشكال مختلفة في مؤسسات السلطة الفلسطينية، بمكوث المسؤول في الموقع لفترة طويلة دون تغيير أو تدوير، هذا الجانب المظلم في الحياة الادارية يظهر أن البلد لم تنجب إلا بعض الاشخاص دونهم الخرابُ او الموتُ.
وتكمن خطورة هذا الحال بتكلس الاشخاص والدخول في دوامة الروتين وعدم المقدرة على الابداع، بل تصبح المؤسسات ممالك يحكمها أمراء، سواء كانوا سياسيين أو اداريين يحملون ملفا واحدا أو منصبا واحدا لا يجوز لغيره ان يمتطيه؛ ربما يعتقد بعضهم أن هذا المنصب سينتهي برحيله عنه.
أعتقد جازما أن التغيير والتدوير يطرح تحديا للأشخاص للإبداع وإدخال الجديد على حياة المؤسسة، فقد بات لزاما عمل حركة تدوير في المؤسسة المدنية والأمنية لخلق التجديد في حياة المؤسسة العامة خاصة انهم لا يخضعون للانتخاب؛ فأحد المسؤولين يتربع على عرش منصب منذ نشأة السلطة الوطنية دون تغيير، وآخرون منذ سنوات طويلة في المنصب ذاته يمنعون بذلك تطور الاخرين، أي من دونهم درجة وظيفية، وبذلك يحدون من المنافسة والإبداع بمجرد وجودهم، فقد حان أوان نفض الغبار وإحداث التغيير.
(3) الى المقاطعة يا شباب بهمة عالية
حتى لا يفهم البعض خطأً أو يعتبره البعض تحريضا، المقصود هنا المقاطعة الدولية لدولة اسرائيل وحكومتها بوصفها دولة احتلال تمارس التمييز العنصري "الابرتهايد" بحق الفلسطينيين سواء في الضفة الغربية أو في اسرائيل من خلال دعمها المستوطنين في الاستيلاء على الاراضي الفلسطينية وهدم القرى والبيوت الفلسطينية سواء بقانون برافر في النقب أو بأوامر عسكرية في الضفة.
المقاطعة الدولية سلاح فعال، كما حدث في ايران وقبل ذلك جنوب افريقيا، يمكن استخدامه في النضال التحرري في مواجهة غطرسة الاحتلال، والمقاطعة هنا صنفان الأولى: مقاطعة البضائع الاسرائيلية والاقتصادية التي يقوم بها المواطنون، وهي تحتاج الى همة الشباب وعزيمتهم. والثاني: المقاطعة الدولية التي ينبغي أن تقوم بها القيادة السياسية بحكمة واقتدار وإصرار لاستكمال حلقة النضال الشعبي.
والنافذه هنا ممكنة بعد قرار الاتحاد الاوروبي وإصراره على منع حصول أي مؤسسة موجودة في المستوطنات الاسرائيلية على أي دعم تقدمه دول الاتحاد الاوروبي أو ان تتمتع مؤسسات اسرائيلية بدعم قد يصل الى المستوطنات في الاتفاقية الاخيرة معها. فهل يمكن التقاطه وتحويله الى نهج نضال أو بل الاحرى نهج حياة من اجل التحرر.
تنويه: فَقَدت الانسانية زعيما شجاعا مناهضا للظلم والاحتلال والعنصرية، رمزا للنضال التحرري والتسامح، رحم الله الزعيم الجنوب افريقي نلسون مانديلا.
