تمرد العكاز والحجر
تاريخ النشر : 2013-11-17 15:25

للشاعر الفلسطيني راشد حسين (1936 ـ 1977) قصيدة عنوانها "الثوار ينشدون" مطلعها:
سنفهم الصخر إن لم يفهم البشر
أن الشعوب إذا هبّت ستنتصر
وفيها يخاطب فرنسا الاستعمارية في حينه، يوم كانت تستعمر الجزائر، قائلاً:
مهما صنعتم من النيران نخمدها
ألم تروا أننا من لفحها سمرُ
ولو قضيتم على الثوار كلهم
تمرد الشيخ والعكاز والحجرُ
ولقد تساءلت وأنا أتذكر البيت الأخير، إن كان الشيخ والعكاز والحجر يتمردون حقا، إذا ما قضي على الثوار كلهم. 
ربما يتمرد الشيخ، ولكن هل يتمرد العكاز والحجر إن لم يبق إنسان يتمرد؟ 
وأنا أحاضر في مساق الأدب الفلسطيني، وأدرس رواية غسان كنفاني "ما تبقّى لكم" (1966) توقفت أمام ما توقفت أمامه رضوى عاشور في كتابها "الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أدب غسان كنفاني (1977): الصحراء في رواية "رجال في الشمس" (1963) والصحراء في "ما تبقّى لكم". 
في الأخيرة تتعاطف الصحراء مع حامد بطل الرواية، وتقف الى جانبه ضد الجندي الاسرائيلي، فثمة ـ هكذا يذهب بعض الدارسين ـ علاقة عضوية بين الإنسان وتربته. 
الفلسطيني أسمر بسبب شمس بلاده "ألم تروا أننا من لفحها سمرُ؟" وهكذا تألفه الصحراء ولا تألف الأبيض القادم من وراء المحيطات. 
ثمة ألفة بين الفلسطيني وأرضه، وثمة غربة بين الدخيل والأرض التي ليست له. 
هكذا لا يشعر حامد في النقب بأنه غريب، ولا يُقتل فيها، خلافا لأبطال رواية "رجال في الشمس" حيث يُقتل الفلسطينيون الثلاثة، وتكون الصحراء الكويتية التي هي ليست صحراءهم قاتلة، لا متعاطفة. هل هذا الكلام صحيح منطقياً؟
لعبد الكريم الكرمي "أبو سلمى" قصيدة عنوانها "سنعود"، أدرسها منذ سنوات، ومؤخراً سمعت أبياتا منها لم أسمع بها من قبل، وربما أعود للموضوع ثانية، يأتي أبو سلمى في القصيدة على العلاقة بين الفلسطيني وأرضه، والعلاقة بين اليهودي الغريب وأرض فلسطين.
هُجِّر الفلسطينيون من أرضهم وطُردوا، وهاجروا خوفا بسبب الجرائم التي ارتكبت بحقهم في دير ياسين وقبية، وبسبب الجهل والخوف والدعايات المضللة في حينه، وعاشوا في المنافي ـ وما زالوا ـ واستبد بهم الحنين الى مدنهم وقراهم وبياراتهم وشواطئهم وبحرهم. 
لم يقيموا في المنافي مسرورين وشعروا بغربة فظيعة عبروا عنها في أدبهم في 50 و60 ق 20، وواصلوا التعبير عنها في العقود اللاحقة. ويمكن أن يتذكر المرء، بالاضافة الى قصيدة أبي سلمى، قصة سميرة عزام "فلسطيني" وقصتها "الساعة والإنسان" وأدبيات غسان كنفاني أكثرها، لملاحظة قسوة المنفى والعيش البائس فيه، ويمكن أن يتذكر أشعار محمود درويش لاحقا لإدراك معنى المنفى وقسوته.
أبو سلمى في قصيدته يأتي على علاقة الفلسطيني بأرضه. 
يصور إنكار العرب له وتخليهم عنه، ويعبر عن حنينه الى فلسطين وبياراتها ومدنها وشواطئها ويتمنى ان يعود الى هذه قريبا. 
لكن، وكما قال محمود درويش، طالت نباتات البعيد وطال ظل الرمل فينا وانتشر، والسؤال هو: كيف كان أبو سلمى يرى العلاقة بين الارض الفلسطينية وبين سكانها الجدد، وبينها وبين سكانها القدامى ـ أي الفلسطينيين. يقول أبو سلمى في "سنعود":
فلسطين الحبيبة؟ .. كيف أحيا بعيداً عن سهولك والهضاب
تناديني السفوح مخضبات وفي الآفاق آثار الخضاب
تناديني الشواطئ باكيات وفي سمع الزمان صدى انتحاب
تناديني الجداول شاردات تسير غريبة دون اغتراب
تناديني مدائنك اليتامى تناديني قراك مع الغياب 
السفوح الفلسطينية تنادي المهاجر الفلسطيني، والشواطئ الفلسطينية تناديه باكية، وأما الجداول فتصرخ عليه منادية إياه وهي شاردة تسير غريبة دون اغتراب، وأما المدن الفلسطينية فهي مدن يتيمة، ومثلها القرى، تنادي اللاجئ ان يعود.
حتى الجداول غدت غريبة مع انها لم تغترب. لماذا ؟ لأن سكانها الجدد أغراب.
طبعا ما سبق هو ضرب من الإسقاط، ولكن هل له نصيب في الواقع ؟ ربما وجب ان نتذكر مقالة حسن البطل في حرائق الكرمل قبل فترة، ولكن قبل الإفصاح عنها، يجب العودة الى رواية اميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974).
كان يفترض ان اطير هذا الاسبوع الى تونس للمشاركة في مؤتمر تعقده جامعة قفصة عنوانه "الخطاب السياسي"، فقد أنجزت دراسة عن دحض الخطاب الأدبي الفلسطيني للخطاب الأدبي الصهيوني، وكان يفترض ان آتي على رواية "المتشائل" ودحضها للرواية الصهيونية (ينظر دفتري في "الأيام" قبل أسبوعين: ذكرى بلفور: جدل فلسطين والصهيونية والجدارة (3/11/2013) فقد توقفت أمام دحض بطل رواية "المتشائل" سعيد ـ ومن ورائه اميل حبيبي نفسه ـ لمزاعم الضابط الصهيوني الذي قال لسعيد وهو يصطحبه الى السجن ان ما يشاهده من أرض خضراء هو من نتاج الايدي العاملة اليهودية، فالعرب لا يعرفون الا الخراب. 
وذات نهار يضطر سعيد الى المبيت في قرية فلسطينية فيعرف من اهلها غير ما قاله الضابط الصهيوني.
في الرسالة التي عنوانها "وجهتا نظر في مصيبة اسمها الطوق" (رقم 7 من الكتاب الثالث: يعاد الثانية) يخبر أهل القرية سعيدا أن المستوطنين اليهود يتوسطون، حين يفرض منع التجول على القرية، لدى السلطات حتى تفك الطوق، فأراضي المستوطنين تتوق إلى أيادي الفلسطينيين الماهرة، والسبب أن الاراضي تحن وهذا يعود الى ان الاراضي كانت حقول الفلسطينيين: "أنبتناها وسوف ننبتها، تحنو علينا كما نحنو عليها، وأما هذا الحنو فقد عجزوا عن مصادرته". 
وهنا ينفلت لسان سعيد من عقاله فيقول: فالخضرة نبت سواعدكم، إذن، لا كما ادّعى الرجل الكبير" (ص 182 من طبعة حيفا). 
الفلسطينيون لديهم حنو على الأرض، وهي تبادلهم الحنو بحنو مثله. 
الفكرة إذن نفسها التي برزت في رواية كنفاني وفي أشعار أبي سلمى. 
هل هذا الكلام كلام يتقبله العقل ؟
قبل سنوات قليلة شب حريق كبير في الكرمل في حيفا، وقد أتيت عليه بمقال عنوانه "حرائق الكرمل.. ليس ثمة شماتة" (كانون الأول 2010)، وأتى عليه حسن البطل بمقالين أو أكثر "الطبيعة ما سكتت عليهم" (5/12/2010) و"خرافات الثواب والعقاب" (7/12/2010)، ومما أورده البطل في مقاليه تبدلات المناخ والأشجار المناسبة لبيئة جغرافية معينة، فما زرعه الصهيونيون لتغيير فلسطين بحيث تغدو قطعة من أوروبا لا يتناسب والطبيعة والمناخ في فلسطين. 
إن اشجار الصنوبر والسنديان غير أشجار الزيتون واللوز، وهكذا اتسع الحريق واشتعل الكرمل بسرعة. هل تمردت الطبيعة؟ ربما الموضوع بحاجة إلى مناقشة أيضاً!).