"تمرد" على حركة حماس في غزة أمر مشكوك فيه، وأخطاء "حماس" يمكن أن تكون قاتلة.
لو أنّ جهة ما، ولنقُل شباب الثورة في مصر، من مثل شباب "6 إبريل" أو "كلنا خالد سعيد"، استخدموا تلفزيونات وصحفا عربية للتحريض ضد نظام محمد حسني مبارك؛ أو لو أن محمد البوعزيزي حشد القوى السياسية التونسية المُنّظَمَة الحالية، الحاكمة والمعارضة والإسلامية والعلمانية، في بث مباشر من محطات تلفزة معارضة خاصة بهم، أو من دول أخرى؛ فإنّ من المشكوك فيه أن ينجم عن ذلك اندلاع ثورات. ولو علم الشعب السوري، الثائر والساخط على ظلم وفساد نظامه، أنّ بلاده ستكون مكاناً لصراع قوى خارجية، فلربما قرر التفكير بطريقة أخرى.
قد يُقال إنّ محطة "الجزيرة" وفضائيات أخرى هي صانعة الثورات، بتغطيتها الإعلامية المكثفة. وقد يُقال إنّ الإعلام المصري لعب دوراً كبيراً في التعبئة ضد الإخوان المسلمين، ما يثبت دور الفضائيات والإعلام. والحقيقة أنّ بذور الثورات شيء تُسأل عنه الأنظمة، وشرارة الاشتعال تأتي عفوية بالمطلق أو شعبية من القاعدة، إلى حد كبير جداً.
كان "شباب فيسبوك" صاعق تفجير، لوجود أسباب موضوعية للانفجار. وأهمية "فيسبوك" وقوته التي ربما استُنزِفَت -ويصعب استخدامه ثانية بالطريقة نفسها- أنّه كان يبدو وسيلة نابعة من داخل المجتمع، لا تقف وراءه حكومات، ولا يحتاج تمويلاً ضخماً. لقد كان الوجه الشعبي مهماً، وكانت هناك مفاجأة، وكان التجاوب الشعبي مفاجئا حتى بالنسبة للشباب الذي قاد الاحتجاجات.
كان هناك إذن ظرف موضوعي يتعلق بتسلط الأنظمة وطغيانها، وبظرف اقتصادي ومعيشي صعب؛ وكان هناك قوة تبدو من وسط الشعب، تستخدم شبكات تواصل اجتماعي تعتمد على الأفراد وبإمكانات مالية لا تُذكر، فكان هناك تجاوب شعبي مفاجئ. بعد ذلك، حاولت "معارضات" في دول أخرى استنساخ التجربة وفشلت، كما حاولت أنظمة وقوى توظيف التجربة ولم تنجح. وعمليا، لم يعد يُنظر الآن إلى شبكات التواصل الاجتماعي كما كان يجري النظر إليها سابقا؛ بأنها أداة للشعب، بل هناك قناعة بأنّ الأنظمة وأجهزة الأمن وجماعات طورت آليات للتلاعب بها وتوظيفها.
منذ أسابيع على الأقل، هناك دعوات ممنهجة لتمرد في قطاع غزة ضد "حماس". وأولى النقاط التي تستحق التوقف عند المقارنة بالثورات السابقة، هي أنّ الأخيرة لم تحظ بمثل هذا الإعداد والتهيئة. والحقيقة أنّ محاولة الاستنساخ هي لحراك 30 حزيران (يونيو) الماضي، وليس حراك كانون الثاني (يناير) 2011. والتمهيد الطويل المدى له نتائج سلبية؛ فذلك يلقي بظلال شك على عفوية الحراك. فضلا عن أن الصراع الأهلي الذي اندلع في مصر بعد هذا الحراك، سبب كافٍ لفقدان فرص النجاح، خصوصاً مع القلق الشعبي من الضياع في أتون الاستقطاب الفصائلي.
يبقى الحديث عن: هل الظرف الموضوعي في غزة كافٍ لتفجير ثورة؟ مع الافتراض أنّ هذا موجود، فإنّ الحراك الممنهج والبطيء من جهات خارجية، غالبا ما يُفقد أي حراك زخمه. والدخول الإسرائيلي على الخط كفيل بإضعاف إضافي لأي بوادر تحرك جماهيري متمرد. لم تفقد "فتح" السيطرة في غزة في ثورة شعبية، بل بقوة تنظيمية عسكرية لحركة "حماس". وفي ظل مثل هذا الاستقطاب المسلح، تصبح الثورات الشعبية مستبعدة. وحديث إسرائيل عن ظروف تمرد أو تهديدها لحركة "حماس"، أو المبالغة في تصوير قوتها، يؤدي إلى نتائج عكسية؛ فكثيرون سيترددون كي لا يجدوا أنفسهم يبدون، ولو لوهلة، في صف واحد مع الاحتلال.
يسهل على "حماس" تبرير جزء من الظرف الموضوعي في قطاع غزة، بالاحتلال وبقوى خارجية. والثورات وحركات التمرد لا يتم التخطيط لها أسابيع وأشهرا، بل تطلقها شرارات. والقوى المضادة لحماس لم تتقن لعبة الإعلام البطيء الذي يكتسي بمصداقية، لتوليد رأي عام فاعل ومتمرد يُحمّل "حماس" وزر أوضاعهم.
يبقى أنّ أخطاء قد تقع فيها "حماس"؛ من مثل العنف في قمع تحركات هنا أو هناك، والذي قد يؤدي إلى ثورة. ويبقى أنّ حالة الألم على حالة الانسداد التي تتحمل التنظيمات والفصائل من دون استثناء تقريبا مسؤوليتها، تؤدي إلى انفضاض شعبي عن هذه القوى، قد يؤدي إلى نبذها بطرق مختلفة، ربما تكون تدريجية.
التحريض ضد حماس.. عندما لا يُفلح "فيسبوك"
تاريخ النشر : 2013-10-31 12:49
