أبلغ رئيس الحكومة الاسرائيلية نتنياهو وزير الخارجية الاميركي كيري بأن الافراج عن الدفعة الثانية من الاسرى الفلسطينيين سيترافق مع بناء 1500 وحدة سكنية في القدس الشرقية و200 وحدة سكنية في مستعمرات مقامة على أراضي الضفة. عدم اعتراض الوسيط الاميركي لا يحتمل غير إجازته مقايضة الافراج بالبناء، وتلك ضربة شديدة توجه للمراهنين على الدور الامريكي الذي لم يتغير سواء لجهة احتكار قيادة العملية السياسية، أو لجهة مواصلة الانحياز لدولة الاحتلال. وذلك انطلاقا من المصالح والاهداف المشتركة للطرفين.
وإذا كانت الوظيفة الافتراضية للافراج عن الاسرى هي بناء أجواء من التفاؤل بالعملية السياسية، فإن ربطها بثمن البناء الاستيطاني والادعاء بوجود موافقة فلسطينية يحوّل عملية التفاوض برمتها الى مشهد سريالي بامتياز . ليس هذا وحسب بل إن تقديم مشروع قرار يحظر على الحكومة الإسرائيلية التفاوض على مدينة القدس من غير موافقة 80 عضو كنيست يجعل التفاوض مع هكذا مستوى سياسي ضربا من الجنون، والمفارقة ان هذا المشروع يفتقد لهذا الرقم من أعضاء الكنيست المؤيدين.
كما يلاحظ، لم تترك حكومة نتنياهو اي هامش للمفاوض الفلسطيني يتحرك من خلاله بعد ان أفسدت عملية الافراج عن أسرى ما قبل أوسلو بالاستيطان المُرَكَّز. فقد اعتقد المفاوض الفلسطيني ان الوعد الاميركي باعتماد حدود الرابع من حزيران سيأتي أكله. وسيجعل من الاستيطان على الارض الفلسطينية عملا غير مشروع، لكن الاصرار الاسرائيلي على بقاء السيطرة الامنية على منطقة الاغوار والمعابر، ورفض مقترح قوات دولية في تلك المنطقة، والتأكيد على دولة منزوعة السلاح وان السيطرة على المجال الجوي والبحري والمعابر الحدودية بيد دولة الاحتلال. إن المواقف الاسرائيلية المحددة تجعل اعتقاد المفاوض الفلسطيني في غير محله. وفوق ذلك يتم استخدام تبادل الأراضي حتى بالنسبة التي "وافق" عليها المفاوض الفلسطيني 1.9% بحسب صحيفة هآرتس لتكثيف الاستيطان على الارض الفلسطينية. وهذا يعني أن حوالي 65% من المستوطنين سيبقون في مستعمراتهم. وتفضل حكومة الاحتلال تبادل منطقة المثلث وما عليها من مواطنين فلسطينيين بالاراض المقتطعة من الضفة. وعندما تواجه حكومة الاحتلال بمعارضة بعض الدول لتوسعها الاستيطاني، فإنها تزعم ان التوسع يأتي في المناطق التي وافق الجانب الفلسطيني على مبادلتها.
لسان حال حكومة نتنياهو يقول : من غير المسموح التفاوض حول مدينة القدس التي تشكل مساحتها 10% من مساحة الضفة. والاغوار ستبقى تحت السيطرة العسكرية الاسرائيلية، ولا يغير من حقيقة السيطرة والضم العمليين للاغوار تقديم صيغة استئجار تلك المنطقة لاربعين عاما قابلة للتجديد، -تتشكل مساحة الاغوار 10% - من مساحة الضفة. وجدار الفصل العنصري سيبقى ويقضم في داخله 10% من مساحة الضفة. والمواقع العسكرية الاستراتيجية ستبقى. والمستوطنات ستبقى كتلا ومتفرقات. وفوق كل هذا النهب والتوسع مطلوب : اعتراف فلسطيني بيهودية الدولة، والانصراف المطلق عن حق العودة للاجئين، وشطب كل المطالبات الفلسطينية، ووقف كل أنواع التحريض. مقابل سيطرة فلسطينية تتمتع بصلاحيات مجالس بلدية لا أكثر، ولا مانع من وجود شرطة قوية للمحافظة على الامن والاستقرار والنعيم.
كما نرى هناك عطاء إسرائيليا "سخيا"، و"تنازلات مؤلمة"، تتلخص في "التحرر" من عبء السكان المتعاظم فقط لا غير . استراتيجية اسرائيلية واضحة وصريحة يتوحد عليها الدولة ومؤسساتها لا سيما المؤسسة العسكرية، والاحزاب السياسية باستثناءات ضئيلة، ويلتف من خلفهم اكثرية المجتمع الاسرائيلي. المعارضة الإسرائيلية خافتة وهشة أكثر من أي وقت مضى ولا تطرح اي بديل.
وكما نرى ونسمع ان هناك موقفا اميركيا منحازا ومتناغما مع اسرائيل في كل المراحل بما في ذلك مرحلة التطرف والغطرسة. هذا الموقف ما يزال يسيطر على القرار الدولي بما في ذلك الاوروبي في كل ما يتعلق بالصراع الفلسطيني - الاسرائيلي. فالموقف الاروبي الذي ميز مواقفه من الاستيطان وفي الاعتراف بفلسطين كعضو مراقب في الامم المتحدة، فإن تمايزه لم يحرره من التبعية للموقف الاميركي وبقي دون مستوى التقدم بمبادرة سياسية مستقلة عن الموقف الاميركي، ودون مستوى ممارسة ضغوط جدية في مواجهة الانتهاكات الاسرائيلية الفادحة.
أما الموقف الروسي الذي نجح في فرض إرادته في الصراع الدولي على سورية، فإنه ظل الغائب الحاضر في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. ولم يحرك الامين العام للامم المتحدة ساكنا إزاء الاستفزازات والممارسات الاسرائيلية المتناقضة مع ميثاق الهيئة الدولية.
كل الشروط الدولية والاسرائيلية والعربية والاقليمية والفلسطينية الراهنة غير مواتية لتحقيق اختراق في العملية السياسية يلبي هدف الخلاص من الاحتلال. وعلى الضد من ذلك فهذه الشروط مواتية لغطرسة القوة الاسرائيلية. لقد اختبرت كل الوعود وسقطت المبررات، فلماذا يستمر المفاوض الفلسطيني بالتفاوض ؟ هناك من يروج لمفاوضات خارج المفاوضات، ولحل أميركي يجري إعداده لفرضه على الطرفين. والسؤال الذي يطرح نفسه، هل سيتم اجتراح حل خارج العلاقات والوقائع والمصالح القائمة؟ هل سيقفز على العلاقات الاميركية الاسرائيلية الاستراتيجية؟ ليس من الصعب التكهن بأي حل مصدره الادارة الاميركية. في احسن الاحوال سيكون حلا وسطا بين مواقف التطرف الاسرائيلي ذات المرجعية التوراتية والمطالب الرسمية الفلسطينية المقيدة. وإذا كان موقف الحد الادنى الوطني الفلسطيني سقفه قرارات الشرعية الدولية فإن الحل الوسط سيهبط بالسقف الفلسطيني الى المستوى الذي لن يترك تحته كثيرا من الفلسطينيين، وفي هذه الحالة لن يحظى بأي مستوى من الشرعية الشعبية الفلسطينية.
التحدي الذي يواجه الشعب الفلسطيني، هو تحدي ما بعد الشهر التاسع من المفاوضات. بعد اربعة شهور لا توجد اعراض للحمل، البعض يتحدث عن "حمل كاذب". إن أخطر شيء هو تجديد الخداع السياسي بما يحافظ على الاوضاع كما هي عليه لمزيد من الوقت، واستمرار إدارة الازمة وتقديم المسكنات التي تحول دون الانفجار ودون الانتقال الى خيارات أخرى. المواقف الساخطة والمنددة واللا مبالية والرافضة والممانعة والتاريخية لا تقطع الطريق على سياسة الحفاظ على الاوضاع كما هي عليه، ولا تقطع الطريق على الخطر الناجم عن سياسة التثبيت على اللاحل الذي يؤدي الى تعميق الاحتلال. الوضع يحتاج الى رد ايجابي، أي الى سياسة وطنية بديلة للتفاوض وللوصاية الاميركية ، يتم الاستقطاب على أساسها، ايذانا بدخول مرحلة جديدة من النضال ضد الاحتلال والنهب والهيمنة.
[email protected]
مفاوضات اللا معقول وما بعدها
تاريخ النشر : 2013-10-29 14:44
