لا تبدو الثقافة الفلسطينية أحسن حالاً من مجمل السياق الفلسطيني العام، لكنها ربما كانت الأكثر تهميشاً في سلم الاهتمامات والأولويات الوطنية والرسمية، والأدنى اهتماماً لدي واضعي السياسات العامة. حتى يصعب الحديث عن وجود سياسات ثقافية عامة أو توجهات في رسم السياسات العامة تأخذ الثقافة بعين الاعتبار، أو هي حساسة لاحتياجات القطاعات الثقافية المختلفة ومستجيبة لبعض هذه الاحتياجات أو هي تأخذها على محمل الجد. ودأب الثقافة أن تكون أول ضحايا أي تراجع في السياسات الحكومية على صعيد الأداء من حيث تطوير الأفكار التي تقف خلف السياسات الحكومية أو من حتى من حيث نقص التمويل ورأس المال الذي يساند الحراك الثقافي ويجعل منه امراً ممكناً.
طبعاً يمكن للبعض ان يجنح للغضب ليسأل إذا ما كان حقاً ثمة سياسيات حكومية ورسمية تتعلق بالثقافة، وإذا ما كان حقاً أبعد من المسمى هناك ما يمكن نعته بالثقافة والانتاج الثقافي. وهو نقد نابع بالطبع من الغيرة والحرص والألم سيما في ظل هذا التراجع المهول في حضور الثقافة في الحياة العامة، وهبوط فاعليتها إلى أدني درجات سلم الاهتمامات الرسمية والشعبية. أيضاً يمكن سرد عشرات الأسباب والمقولات التي تساهم في تفسير تدني هذا الاهتمام، لكنها في محصلة الأمر لا تغير من الحقيقة والواقع شيئاً؛ فالثقافة أول ضحايا هذا الوضع وهي المطلوب منها أن تكون الجدار المنخفض الذي يقفز عنه الجميع.
يمكن لمراجعة نسبة الإنفاق الحكومي على الثقافة أن تساهم في توضح إنعدام هذا الإهتمام. وهي نسبة لا يمكن التأكد منها لكنها في أحسن حالاتها لا يمكن ان تتجاوز نصف العشر بالمائة. أيضاً لتنظروا إلى الموازنة العامة حتى تصدموا من طبيعة الأرقام والمخصصات التي توفر لوزارة الثقافة وللمؤسسات الرسمية والشعبية العاملة في الثقافة. لا يوجد مؤشرات رمسية عن حالة الثقافة في فلسطين، ولكن هل يمكن لنا ان نعرف كم كتابا يطبع في فلسطين في السنة؟ وما هي حصة كل مواطن من كل كتاب؟ وما هي مؤشرات المعرفة الأساسية من حيث ارتياد المكاتبات العامة وطاقة شراء الكتب والصحف والمجلات؟ وما هي نسبة مساهمة الحكومة في كل ذلك؟ الأرقام ستكون صادمة، وهي بحاجة لوقفة جادة.
الامر الآخر هو موقع غزة في كل ذلك. فمنذ إنقلاب حماس قبل ست سنوات ونيف خرجت غزة من حسابات المؤسسة الثقافية الرسمية، فكأن الوزارة لا علاقة لها بغزة وكأن الثقافة والمعرفة التي تقع تحت بساطير الهيمنة ومحاولات التشويه والتغير لا تعني كثيراً صانع القرار الثقافي هناك. وباستثناء بعض المبادرات الصغيرة والمحاولات المتواضعة والمحمودة رغم ذلك فإن مثقفي غزة خرجوا خارج السياق. واختفت الفعاليات الثقافية والنشاطات والطباعة. في غزة الجهة الوحيدة التي تطبع هي المؤسسات التابعة لحكومة حماس وهي تقوم بانتاج ادب وثقافة خاصة بها وتعبر عن تطلعاتها الفكرية والهوياتية التي هي بالطبع انزياح واضح عن التيار العام للثقافة الفلسطينية الصافية.
هل يتصور احد أن الاتحاد العام للكتاب والادباء في غزة تم إغلاقه لقرابة عام لأن ثمة ديون سبع سنين متراكمة اجرة للمكان، وان صاحب العقار كاد ان يشتكي الامانة العامة في غزة لشرطة حماس! أما عن اتحاد الكتاب والنقابات والمؤسسات الثقافية فتلك قصة أخرى تزيد الصورة قتامة. فإتحاد الكتاب ربما كان النقابة الوحيدة من كل نقابات الوطن الذي لم تلتئم أمانته العامة بشكلها الكامل بين غزة ورام الله إلا مرة وحيدة عبر الفيديوكونفرس وكان ذلك لمناقشة اتفاق وقعه الأمين العام مع فرع الشام ورفضته في حينه كل الامانة العامة في غزة حيث رأت فيه خروجا عن تقاليد العمل النقابي الثقافي ورغم ذلك لم يؤخذ برأيها بالمطلق. حتى الأمين العام حين جاء ضمن وفود التضامن النقابية العربي بعيد العدوان الهمجي على غزة في خريف العام الماضي وأمضي في غزة يومين لم يكلف نفسه عناء الاتصال بالأمانة العامة في غزة للالتقاء باعضائها. أما عن النشاطات والمشاركات الخارجية والطباعة فحدث ولا حرج.
أيضاَ أظن أن مؤسسة بيت الشعر الفلسطيني العريقة بماضيها مازالت موجودة. لست متأكداً، ولكنني متأكد بأن بيت الشعر لم يعد موجوداً على الأقل بالنسبة لكثيرين كمتابعين ومشاركين ضمن عالمهم الصغير في هذا المشهد الراكد. بيت الشعر الذي قام على تأسيسه نخبة من الشعراء قبل قرابة عقد ونصف وربما أكثر منهم الراحل الجميل حسين البرغوثي وبعض الأحياء، سجل حضوراً كبيراً في ذلك الوقت حيث كانت مجلة الشعراء التي تشرفت بالكتابة بها- ومن ذلك انني ترجمت العشرات من قصائد الشاعر الايرلندي الكبير شيموس هيني الذي رحل قبل شهرين- ومجلة "أقواس" التي عنيت بالكتابات الشابة، بجانب طباعة العديد من المجاميع الشعرية وكتب الدراسات. الآن لم يعد هذا موجوداً ربما إلا على الصعيد الشكلي. اولاً فبيت الشعر موجود فقط في رام الله حيث رئيسه الذي للمفارقة هو أمين عام اتحاد الكتاب في خلط كبير بين المهام النقابية والمهام الحكومية حيث كما أعرف بيت الشعر مؤسسة حكومية، وهو ما يستدعي الفصل بين الموقعين . ولا يوجد أي فعالية له في غزة كما كان في الماضي، كما أن أحداً من طاقمه او مجلس إدارته (او هيئته الإدارية، لا اعرف ما اسمها) من شعراء غزة. لا أحد يحدثني عن الانقسام فانا أعرفه جيداً ويعرفه زملائي كتاب غزة المحرومون من كل شيء، والذين دفعوا فاتورته بقسوة ووحشية من سجن وقمع ومنع من السفر. لذا لا يتهرب أحد بالقول إن هذا من أثر الانقسام.
المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية ليست بريئة تماماً فهي أيضاً مقصرة لأن ثمة ثقافة لتغييب الثقافة داخلها، بيد أن ثمة بعض المؤسسات الوطنية غير الحكومية التي لابد من استثنائها من هذا اللوم. إن بؤس الثقافة باستعارة عبارة الدكتور فيصل دراج بحاجة لجهد اكبر لتجاوزه سواء عبر التدخل الرسمي او هبة المثقفين المدافعين عما تبقي من هذا المشهد العريق الذي سبق كل سياقات الحالة الفلسطينية في تطوير كنه وجوهر الحالة الوطنية، وهو جهد يتطلب الوقوف بجدية امام التحديات واما تفعيل المشهد الذي يبدو للمفارقة في فعاليته الخارجية اكثر حضوراً من فعاليته الداخلية حيث يحقق الكتاب والشعراء الفلسطينيون بعض الإنجازات الملفتة دون ان تلتفت المؤسسة الرسمية.
الثقافة الفلسطينية: لمن لا تقرع الأجراس؟
تاريخ النشر : 2013-10-28 14:39
