نابلس -نوى - نتالي كسبري
كنا نتجول انا وصديقتي في البلدة القديمة في نابلس عندما اكتشفناه بالصدفة، في بادئ الأمر ظنّا بأننا مخطئات، نظرنا للافتة الملصقة على الباب نقرء المكتوب عليها أكثر من مرة لنتأكد هل هو مقهى؟ هنا؟ فدخلنا وبقينا هناك ما يقارب الثلاث ساعات فقد أحببنا المكان، وأسعدنا ما اكتشفناه.
تشعر بأنه منطقة حيادية منعزلة خارج الزمان والمكان، تحملك الأجواء لزمان غابر، كل تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة، كل زاوية فيه تنطق لتسرد لك حكاية من التاريخ الجميل، تدخل من الباب الزجاجي الكبير، هو وحده المستورد من الزمن الحالي، فتجد نفسك بداخل بيت عربي قديم، يتكون من عدة عقود، ذات سقوف مقوسة محفورة بالصخر، تفصلها عن بعضها ممرات ضيقة مقوسة، بالاضافة الى أدراج حجرية دائرية الشكل تنقلك الى الطابق العلوي، تسمع صوت طقطقات خطواتك وانت تتجول فوق أرضيته الخشبية، تشعر بأنك قفزت لزمن أخر بثوان، لن تستطيع الا أن تتخيل جدك او جدتك يجلسون في أحد الزوايا، تبتسم دون أن تدري لما تفعل ذلك.
كل شيء في المكان من طاولاته وكراسيه الخشبية العتيقة وحتى الصور التعبيرية التراثية المعلقة على الجدران، والنثريات القديمة الملقاة هنا وهناك بانسيابية عفوية بالغة، كل ما فيه بلا استثناء يشعرك بالدفء والحميمية.
لا أعرف لما طلبنا انا وصديقتي الشاي بالذات دون غيره، ربما لأننا أردنا أن تكتمل الصورة، لم يكن من المناسب البتة ان نطلب الكبتشينو او اي مشروب غربي أو حديث، حتى الشاي كان له طعم أخر، غير الذي نعرفه، الا أننا لم نحتج او نتذمر، بل أسعدنا ذلك. وللمكان رائحة جميلة لم نعرف ماهيتها، الا أننا خرجا بالنهاية بعد طول توقعات بأنها رائحة الحجارة القديمة.
روى محمد، الموظف الذي يعمل هناك، تساؤلاتنا، أخبرنا بأن هذا المقهى الذي يقبع في حي القريون، يدعى "طرابيش" قد فتح منذ ما يقارب الشهر فقط، وبأن العمل فيه لم ينتهي بعد، وذكر لنا بأن ملكية المكان تعود لوزارة الأوقاف.
إن فتح مقهى في البلدة القديمة يحتوي على عبق الماضي والتاريخ الفلسطيني، يجذب أنظار كل من يمر من أمامه من سياح، أو أهل البلد، فكرة طالما راودت صاحب هذا المقهى علي النوباني، الا انه سمع عن طريق الصدفة عن هذا المكان الذي يعود بناءه لزمن الرومان، وقد كان مستأجره قبلهم رجل، قد فتح غرفه على بعضها ليكون منجرة كبيرة، الا ان المكان بقي مغلقا لما يقارب الثماني سنين بعدما توفي ذاك المستأجر.
عماد النوباني، أحد مرتادي هذا المقهى منذ افتتاحه، أخبرنا بأن بيته قريب من طرابيش، وبأنه يأتي الى هنا كل يوم بعد أن ينهي عمله ليسهر مع أصدقائه. يُذكر أن أصحاب هذا المقهى أكدوا بأنه للعائلات، وليس مقهى للرجال فقط كباقي مقاهي المدينة.
هديل، الفتاة العشرينية، التي كانت مع أصدقائها هناك أعربت عن اعجابها الشديد بالمكان، وقالت: مررت من هنا قبل ما يقارب الأسبوعين، وكان هنالك بعض الأجانب، فلفت إنتباهي، وقررت العودة لاحقا. عندما اتيت وجلست فيه أحببت المحل لانه أحي التراث والثقافة الفلسطينية التي تروي حكاية شعبنا، وأرى في ذلك خطوة ايجابية تدل على التفات الناس أخيرا نحو التمسك بالتراث والأصالة، فتراثنا الفلسطيني غني وقيم، والاهتمام به وإحيائه احدى اهم ركائن مقاومة الاحتلال الصهيوني الذي يدعي بأنه صاحب هذه الأرض. وأكدت هديل بأنها ستكون من بعد الان من مرتادين هذا المقهى بإستمرار.
أشار رشيد، ذاك الشاب الأسمر الذي وجدته يشرب القهوة هناك، بانه من النادر أن نجد في نابلس مثل هذه الأماكن، التي تحافظ على رونق الماضي، وتعيشك في الأجواء القديمة، وسط هذا الهدوء الذي يجلب لنفسك السكينة.
أعرب أصحاب المكان عن نيتهم تطويره واضافة الكثير من النثريات والتفاصيل التراثية الأخرى، مثل بسط زاوية كاملة بالبساط العربي، لاعادة احياء "القعدة العربية"، كما انهم يخططون لجلب الكثير من المنتوجات والالات العربية القديمة، التي ما عادت مستخدمة في أيامنا هذه، ليصبح المكان غير أنه مقهى متحفا ايضا.
