كنا ذات مرة في السويد، في ضيافة اتحاد الكتاب هناك، وداخل مقرّ الاتحاد أيضا، فأتيح لنا أن نلتقي معظم الأدباء، كما التقينا أعضاء في الأكاديمية التي تمنح جائزة نوبل للأدب، أساس جوائز العالم السويدي الفريد نوبل وأشهرها، وعرفنا كيف تتمّ كل ظروف الاختيار بسرية مطلقة، لا يستطيع معها أحد أن يعرف الفائز إلا حين يعلن، مع أن أسماء كثيرة تكون متداولة، لسبب بسيط، هو أنها أسماء مشهورة في العالم كله، غالبا ما تكون قد بلغت من العمر عتيّا، وصارت لها إنجازات يصعب أن ينكرها أحد.
وحتى لو اتهمت الجائزة بالانحياز السياسي، فإن من الصعب القول إنها تتنازل عن قياسها الأدبيّ، إلى الحدّ الذي يقبل بعض الأسماء التي أدخلت نفسها ـ عربيّا ـ في بورصة الدعاية، التي تذكرنا بنوع محليّ من الدعاية، يسبق أيّ تشكيل لمجلس "وزراء" في ضفتنا المجزّأة، وكيف تنشر بعض وسائل الترويج لبعض الأشخاص ترشيحا لهم، وكأنه حدث، مع أن الأمر بعيد عنهم كليا، ومع أن كل وزارة تأتي بمفاجأة لا تنتمي لتلك الأسماء التي ترشح نفسها.
عندما شاهدت صورة الكاتب الألباني إسماعيل كادارة، تتصدّر إحدى القاعات، تساءلت بجدّية: ألا يستحقّ هذا الكاتب الكبير جائزة نوبل؟ قالت الصحفية المختصة: هذه الصورة أخذت هنا، خلال زيارة له. ونحن في كلّ عام، وحتى نكون على استعداد للاسم الذي قد يكون مفاجئا، نقوم بجمع المعلومات عن عدد من الأدباء الذين يحتمل أن ينالوا الجائزة، ونحن في الواقع نتوقع أن تصل الجائزة إلى هذا الكاتب في أيّ عام، باعتباره واحداً من مرشحيها الأساسيين، منذ سنوات طويلة. وقد بتنا كصحافيين متابعين للجائزة نعرف كلّ شيء عن أدبه، وخصوصا عن روايات الحرب العالمية الثانية، التي كانت بلاده مسرحا لها، دخلتها الجيوش المتحاربة وخرجت منها مرات، وأحسن هو تصوير ذلك، وباتت روايته "جنرال الجيش الميت" من كلاسيكيات الأدب العالمي.
كما أننا نعرف كثيرا عن كتاب غيره، وأعني المرشحين الأساسيين، لا مرشحي الإشاعات التي ينشرها أدباء في كلّ بلد، لخلق هالة حول أنفسهم، وهم في الغالب لا يحظون بالاحترام الأدبيّ داخل بلدهم، وقد لا يكون أحد سمع بهم خارجه، وهذا ما يضحكنا كثيرا حين يصل إلينا.
سألتها: وهل هناك ترشيح جاد لمن يكتبون بالعربية؛ فقالت دون تردد: أدونيس وحده، ومن الصعب أن تقدّم له بعد أن حصل عليها نجيب محفوظ عن جدارة، لأن للأكاديمية حسابات إقليمية أيضا، لا سياسية وحسب. وهناك من العرب آسيا جبار، التي لا تكتب بالعربية. وحين سألتها عن شاعر السويد الكبير، توماس ترانسترومر، الذي كنت التقيت به قبل ذلك ببضعة أيام، وقرأت شعره (الذي أهدي إليّ مترجما إلى الإنجليزية) بقصد ترجمته، (وهو قليل عددًا، شديد الخصوصية والبلاغة وفائق الأهمية نوعا)، ضحكت وقالت: هو مرشح دائم! لذلك لم أفاجأ بأنه فاز بالجائزة بعد ذلك.
موعد جائزة نوبل، التي فازت بها هذا العام الكندية أليس مونرو، "لأنها أفضل من يكتب القصة في هذا الزمن"، هو موعد الدعاية الذاتية لأصحاب الأوهام الأدبية، وأصحاب القدرة على الدعاية، التي تجعلهم ينشرونها بالوسائل المتاحة محليا، (وهي في الغالب تحت تصرفهم)، وفي صفحات التواصل الاجتماعي، التي تتحول بالأيدي الجاهلة إلى "قنوات تصريف" للكلام الجاهل.
خلال الأيام السابقة على إعلان الجائزة، امتلأت بعض الصفحات بكلام "أسود من قرن الخروب" يرشح هذا ويزكي ذاك، ممن يفتقرون إلى أساسيات الكتابة التي تستحق التنويه خارج الدعاية المتفشية.
نوبل لها حسابات كثيرة، لكن قاعدتها التي لا تخرج عنها هي أن يكون من يمنح هذه الجائزة أديبًا يستحقها، بالمقياس العالمي للأدب، لا بمقياس المجاملة أو النفاق، حتى وإن رشحت عوامل أخرى اختياره ذات عام محدد، دون غيره من المرشحين.
وكل نوبل وأنتم في عيد!
حسابات نوبل
تاريخ النشر : 2013-10-12 18:39
