غزة/ نوى/ ميرفت عوف
وزعت أم الشهيد الصحفي محمود الكومي خوفها في أيام الحرب نوفمبر 2012 على ثلاث من أبنائها الذين يعملون بشكل طارئ وغير آمن، أولهما: الصحفي محمود ثم ابنها محمد الذي يعمل في أمن مستشفي الشفاء وبلال الذي يعمل في التمريض بذات المستشفي.
تعود إلى حادثة استشهاد الصحفي محمود الكومي ، فتقول" بينما كنت أصلي المغرب سمعت صوت انفجار، حينها اعتلى قلبي يقين بأن المصاب محمود وتأكد ذلك عندما علمت أن المستهدف سيارة صحافة" ، لم ترى أم محمود المشهد القاسي لعملية اغتيال ابنها، فقد تجنب المحيطين بها أن تراه ، لكنها أصرت على أن تري الأرض التي استشهد عليها ابنها .
حرصت أم محمود على أن ترتقي بأبنائها بالعلم بجانب التربية التي غرستها فيهم، فقد أصرت على أن يتعلم محمود دبلوم فني، ساعده في العمل كمصور في قناة الأقصى الفضائية .
كانت فخورة بهذا العمل كثيرًا ، فهي سيدة مثقفة تعرف جيدًا أهمية الإعلام ودوره خاصة في فضح جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني ، قبل يومين جاء حفيدها حمزة (ابن الشهيد) إلى جدته يطلب منها تدريسه بعض مواده الدراسية في التمهيدي، لم تكن قادرة على فعل ذلك ، لكنها ستلمم جراحها قريبًا لتنفذ وصية محمود بأن تتولي مسئولية تعليم صغاره الثلاثة كما علمته وأشقائه ، فهو لن يجد أجدر منها على حمل الأمانة من بعده .
رحل الطموح
اما ام الشهيد الصحفي محمد أبو عيشه -53 عامًا - أصبحت الآن أم لشهيد آخر غير ابنها الشهيد عماد الذي استشهد في عام 2002 ، وهي أم لخمسة ذكور وابنتان، مؤمنة بأن الكلمة أقوى من السلاح، لذا كانت تدعم ابنها كثيرًا ، وفخورة بكونه مؤسس ومنشأ إذاعة القدس التعليمية ، راعى هذا المشروع بكل ما أوتي من قوة ، هدف إلى تشكيل الوعي لدى المستمع الفلسطيني برامج سياسية اجتماعية دينية، ومن أهم متابعيه كانت والدته التي تابعت خطواته الإعلامية دائمًا حتى أنها زارته في مقر عمله .
وتؤمن أم محمد أن الإعلام الفلسطيني شاهد العالم على تفاصيل الحرب وقسوة الاحتلال وجرائمه بحق أهل غزة، وتقول:"الصحفي كالمقاوم مُعرض للاستهداف الإسرائيلي ودائمًا أشعر بأن الصحفيين محمد ومحمود وحسام الذين استشهدوا كانوا جنود مستهدفين أكثر من المقاومين، فالمقاومين لهم طرقهم الآمنة للتواري عن أعين الاحتلال ولكن الصحفي معرض للاستهداف أكثر من المقاوم".
الإعلام وصناعة الرجال
زوجة الشهيد الصحفي حسام سلامة – 30 عامًا- لا تضع نظرها على ركن في بيتها إلا رأته فيها زوجها ، وكيف لها أن تنساه وهو الزوج الذي أنهكها حنانه وحسن عشرته معها ، تقول لنا :" خلقه ودينه كان يجعله متميزًا في كل تصرفات داخل وخارج البيت".
أم محمد وهي أم لأربعة أبناء (ذكرين وفتاتين) تؤمن بأن الإعلام الفلسطيني استطاع أن يبرز حجم الجرائم التي يقوم بها الاحتلال، وأنه كان خلال العملية العسكرية بمثابة الصوت المؤلم الذي أنهك الاحتلال كما المقاومة ، وقالت :" هذا الحال جعلني أعرف أن الاحتلال لن يتواني عن استهداف الإعلام بكافة وسائله وأفراده من أجل إخراس الحقيقة والتعتيم على جرائمه " .
ترك حسام زوجته وأهله أثناء الحرب ، وبدأ يعمل بشكل مكثف لنقل الصورة الحقيقة وعدم ترك أي تفاصيل من جرائم الاحتلال، وهذا ما جعل زوجته تشعر بأن الاحتلال قد يستهدفه رغم أنه غير مقاوم، لأن الاحتلال اعتاد استهداف الصحفيين وقد شاهدنا ذلك في الحرب السابقة 2008.
الآن حسام في جنات الخلد وهو مقام تحبه أم محمد لأبنائها إذا ما عملوا في المجال الإعلامي أسوة بوالدهم ،وقالت :" مهنة الإعلام مهنة تصنع التاريخ وتؤصل للقضية لذلك سأدعم أبنائي بهذا الاتجاه للعمل في بلاط السلطة الرابعة،أتمنى أن يكونوا مثل أبيهم".
يعشن في ترقب مستمر
المستشارة النفسية المتخصصة في الدعم النفسي للكوارث والحروب د. وفاء أبو موسى تؤكد لنا أن ألم الأم على الفقيد لا يزول مهما طال وقت الاستشهاد لكنه يختلف مع مرور الزمن وذلك باختلاف نظرة الأم له ، حيث ترى أن استشهاده من أجل حقيقة سامية يمنحها الفخر.
وتوصي ابو موسى لتخطي أزمة الفقدان بأمان، بضرورة وجود مساندين نفسيين يقدمون الدعم النفسي الأولي للأم بعد خبر الصدمة وهذا الدعم لا يقدم بالطريقة التقليدية بل يقدم بإتاحة الفرصة للأم للبكاء والتعبير عن الألم والفقدان مع وجود من يحسن الإصغاء ويحسن تقديم آليات المساندة من احتضان كلمات طيبة، تقوية للإيمان، المساندة بالربت ولمس الكفين.
