تمتلك مدينة اريحا أقدم مدن العالم تاريخاً سياحيةً عريقة، فصناعة السياحة فيها مغرقة في القدم، حتى يمكن القول أنها المنطقة السياحية الأولى في التاريخ التي جذبت السياح والحجاج والزائرين منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.
فأريحا تتميز بأهميتها السياحية، نظراً لموقعها الجغرافي المتميز، ومكانتها الروحية المقدسة، لدى جميع الطوائف الدينية، وذلك رغم التقلبات السياسية الخطيرة التي تعرضت لها خلال العصور الماضية، وما تمخض عنها من اعتداءات بشرية استعمارية كان هدفها السيطرة على هذه البقعة من العالم بهدف التحكم في عقدة المواصلات وجسور الاتصالات، متوسلة لذلك شتى الادعاءات ومنها الدين أحيانا تجنياً عليه، ومجافاة للحقيقة إلا أن الجميع ارتد من حيث أتى، وبقي العرب أهل الأرض، أرض فلسطين مهبط الرسالات.
ولم تتوقف الحركة السياحية إلى فلسطين عامة وأريحا خاصة على مدار التاريخ، رغم التقلبات والظروف الصعبة التي كانت تمر بها البلاد جراء غزو خارجي، أو اعتداء غاشم لئيم، أو احتلال عنصري بربري، فالحجاج كانوا يجدون وجهتهم إلى الأماكن المقدسة دون عناء، فكانوا يجدون من أهلها كل الترحاب، مما أغرى الكثيرين منهم بالاستقرار في البلاد.
ما زالت أريحا منتجعًا شتويًا معروفاً للكثير من الزائرين بسبب تاريخها العريـق كأقـدم مدينة في العالم وبسبب طقسها المعتدل شتاءً، حيث يوجد في أريحا مائة واثني معلماً وموقعاً تاريخياً وسياحياً فمنها: أريحا القديمة ، وجبل التجربة " قرنطل "، وقصر هشام بن عبد الملك بن مروان، ودير القديس جورج وادي القلط، كما وتكثر بها المزارات التي تشهد نشاطًا سياحياً كبيراً كمقام النبي موسى عليه السلام ، وتل السلطان ، وطواحين السكر، وطواحين الهواء، ودير قرنطل، وتلول أبو العلايق، وتل المفجر، وخربة قمران، إضافة الى البحر الميت ونهر الاردن اللذين يقعان تحت سيطرة الاحتلال الاسرائيلي.
فبالرغم من كل الصعوبات والمعيقات التي تعيق النمو والتطور السياحي وباقي القطاعات في المدينة وفي فلسطين عامة نتيجة لظروف الاحتلال، وقلة الموارد المالية وضعف البنى التحتية، إلا أن قدرة القطاع السياحي في محافظة أريحا على التطور هي ممكنة جداً، على عكس القطاعات الأخرى مثل قطاعي التجارة والصناعة اللذين يعتمدان على الاتفاقيات والدعم المالي الوطني والدولي، فيمكن تنمية القطاع السياحي بسهولة اكبر من القطاعات الأخرى وخصوصاً أن أريحا غنية بتاريخها ومواقعها الأثرية القديمة وموروثها الثقافي والحضاري وعادات وتقاليد أهلها التي تمتاز بالبساطة والطيب والكرم، فهي بحاجة إلى التطوير والتنشيط والتسويق السياحي المنظم، والتنظيم الفعلي للعمل السياحي، ورسم خطط وطنية حكيمة لإدارة القطاع السياحي تقوم على أساس التشارك الفعلي بين القطاعين العام والخاص، وتوفير الضمانة الحقيقية لممارسة العمل السياحي من خلال أنظمة وقوانين تحكم العمل السياحي بما يضمن عدالة وتكافل اقتصادي واجتماعي للتجار والمستثمرين، وتوفير التسهيلات اللازمة والملائمة لتجار وأهالي وسكان المدينة، إضافة إلى التوجيه الأكاديمي الرائد والخلاق لاختيار التخصصات التي يحتاجها سوق العمل ومنها تخصصات السياحة والزراعة والعمل الحرفي.
ما أثار غضبي والكثيرين من أبناء مدينة العشرة آلاف عام من العراقة والتاريخ، أن مجموع التقارير الشهرية الصادرة عن الجهات المختصة بالرقابة على القطاع السياحي في مدينة أريحا التي تشير إلى أن أعداد السياح الزائرين والمقيمين في المدينة يزيد عن المليون ومائتي ألف سائح سنوياً، مما يشير الى أن هناك ازدهاراً وانفتاحاً سياحياً في أقدم مدن العالم، ولكن الواقع يشير الى عكس ذلك تماماً، فالنمو التجاري والاقتصادي في تدهور مستمر رغم الاقبال السياحي الكبير على المدينة حاضنة التاريخ، وهذا ما يشكو منه أصحاب المحال التجارية والمطاعم والمتنزهات والأهالي في المدينة، من ضعف الحركة والنشاط الاقتصادي وبالتحديد من زوار وسائحي المدينة الذين يقدرون بعشرات الآلاف شهرياً كما تشير التقارير، وارتفاع معدلات البطالة لدى الخريجين الشباب، وازدياد معدل الفقر لدى الأسر الفلسطينية في المدينة.
من هو المستفيد من المليون ومائتي ألف سائح سنوياً؟! هل السياحة باتت مقتصرة على أشخاص دون غيرهم في المدينة؟!
ولماذا لا يعبر ويتجول السائح في المدينة بدلاً من الذهاب مباشرة الى أماكن بعينها، بات السائح لا يعرف سواها في المدينة؟!
ولماذا لا تصطف الحافلات في أماكن مخصصة؟! مع ترك الحرية للسائح بالحركة كيفما يشاء!
هل السياحة والموروث الثقافي والحضاري والديني لمدينة أريحا بات مقتصراً بأماكن بعينها؟!
ولماذا لا يستفيد أبناء وبنات المدينة من تلك الاعداد الكبيرة للسياح الوافدين لخلق فرص عمل ذاتية تلبي حاجاتهم وتوفر حياة كريمة لهم ولأسرهم؟!
ولماذا يُمنح البعض من أصحاب المحال السياحية التسهيلات لاستقطاب السياح، والتفرد بالعمل السياحي على حساب تجار وأهالي أقدم مدن العالم؟!
ولماذا لا نشاهد سياحاً في مركز المدينة كما نشاهدهم في أماكن أخرى؟! ولماذا لا ينظم العمل السياحي ضمن الأنظمة والقوانين التي تضمن توزيعاً عادلاً في العمل والرزق؟!
وما يقلقني ويزعجني والكثيرين، ما تتعرض له أقدم منطقة في مدينة أريحا " تل السلطان " التي سكنها ما يقارب "23 " حضارة قديمة استقرت بالموقع، كما ودفن بها بعضاً من ملوكها، تتعرض لأبشع صور الانتهاك والتدمير، ومحاولة السيطرة على الموقع من أفراد ذوو مصالح ومأرب شخصية! رغم ان ذلك يتعارض مع الانظمة والقوانين الوطنية والدولية!
أريحا، أيّتها الحبيبة العشيقة الرائعة البديعة المضحّية المتمكّنة المناضلة، عزّنا وفخرنا وتيجان رؤوسنا وقمح خبزنا وروح أرواحنا، يا من تستحقين كل التضحية!
أخجل من نفسي وتهتزّ خوالجي ويصيب فكري الغثيان وأنا أقف عاجزاً، أمام جبروت طمع وجشع البعض من أبنائكِ الميامين!
والله من وراء القصد، لدوافع وطنية أخلاقية.
