ترجل الشاعر.. الحاضر فينا
تاريخ النشر : 2013-10-03 15:41

 

أنهك المرض جسد الشاعر الفلسطيني الكبير، علي الخليلي حتى تلاشى صمود خلاياه عن الفعل بعد اشتداد هجمات الخلايا السرطانية المعادية للحياة، فأغمض عينيه على فضاء جديد، صاعدا قمم الخلود الابدي. 
ترجل الاديب العزيز أبو سِري عن مشهد الحياة الفانية بعد مشوار إمتد على مساحة سبعين عاما، أثرى فيها الثقافة الوطنية الفلسطينية والعربية والعالمية، قرابة أل 25 إنتاجا إبداعيا من الشعر والنثر، فضلا عن المئات من الابحاث والدراسات والمقالات. حتى امسى علما من اعلام الثقافة الوطنية، وسادنا من سدنتها، ونافخا في بوقها لتعلو مكانتها، ويتعمق دورها في الدفاع عن هوية وشخصية الشعب العربي الفلسطيني. 
الشاعر علي الخليلي، الذي جاء للدنيا من بين جبال النار النابلسية عام 1943، مع اشتداد أوار الحرب العالمية الثانية، وتعاظم التآمر الغربي عموما والبريطاني خصوصا مع الحركة الصهيونية على ارض وتاريخ وهوية شعبه، الشعب العربي الفلسطيني في أعقاب إخماد نيران الثورة الكبرى 1936/1939، فتح عينيه على نكبة شعبه في 1948، وأخذت دائرة السؤال تكبر في مخيلة الطفل علي، وسط ظروف أسرته متوسطة الحال نسبيا، قياسا باحوال وواقع قطاع لا بأس به من ابناء الشعب، لاسيما بعد طرد المستوطنين الصهاينة اعدادا كبيرة من الشعب. 
لم يغادر السؤال رأس الفتى، وهو يركض في شوارع نابلس العتيقة بين البيت وفرن الوالد والمدرسة، الذي حمله على البحث والاستقصاء عن اجابات على واقع الحالة الوطنية, تابع الخليلي مشواره بعد تحصيله شهادة الثانوية العامة في مهنة التدريس، ثم اقتحم مهنة المتاعب الصحافة. بعد هزيمة حزيران 1967. 
غير ان الصحافةعلى اهميتها، حيث تبوأ مركزا رئيسيا في جريدة الفجر لم تشف غليل المثقف المبدع، فلجأ لميدان إبداعه الاهم الشعر، والرواية والانتاج النثري، وجال في بحور الشعر منافحا ومدافعا عن الشعب والهوية والارض والحقوق والمصالح الوطنية العليا، فانتج مجموعات شعرية عديدة منها: «الضحك من رجوم الدمامة» 1978؛ و»نابلس تمضي الى البحر» 1979؛ و»مازال الحلم محاولة خطرة»1981؛ وجدلية الوطن» 1978. 
كما اتجه الشاعر الكبير الى حقل الرواية، فاصدر عملين، هما: «المفاتيح تدور في الاقفال» 1980؛ و»ضوء في الافق الطويل» 1983. وواصل دروب الابداع في حقول اخرى. لكن ابو سري، عرف كشاعر اكثر منه روائيا او صحفيا. حتى حين كان مديرا عاما للمراكز الثقافية في وزارة الثقافة، وغيرها من المهام، لم تطغ على مكانته كشاعر متفوق في اوساط جيله من المبدعين. 
تميز علي الخليلي عن كثيرين من الشعراء والادباء بالتواضع الجم. لم يصبه الغرور للحظة واحدة. بل كان كلما صعد نجمه وموقعه في حقل الانتاج الثقافي والمعرفي، كلما إزداد تواضعا وقربا من المثقفين وعموم الناس. علي كان بمثابة حاضن لكل مبدع جديد، وداعما لاي بذرة واعدة في حقل الانتاج الادبي. 
علي صاحب الجسم الطويل، والمنكبين العريضين، والشوارب الكثة، كان دمثا خلوقا، قريبا من قلوب ابناء شعبه ومثقفيه، وكذا في علاقاته مع المثقفين العرب، الذين التقاهم اثناء مشاركاته لهم في العديد من الفعاليات والانشطة الثقافية. كان صوته خافتا، ولسانه دافئا جدا، وحنونا على كل من عرفه لدرجة تفوق الوصف. لا يمكن لانسان ما تعرف على أبي سري ولا يحبه وينحني امام دماثة خلقه، وعظمة إنتاجه المعرفي. 
علي الخليلي الشاعر الكبير، ترجل باكرا، لكنه حاضر فينا,, وباق معنا في إنتاجه وعطائه، في قصائده وشخوص روايتيه وكتبه النثرية واغاني العمال والفلاحين، باق ابو سري في فصول روايتنا الوطنية علما كبيرا، شامخا بما مثله في مسيرته المتميزة,, 
وداعا ايها العزيز علي الخليلي, وثق انك باق وحاضر الى ما شاء الله في عالمنا.. في افراحنا واتراحنا.. باق بشموخك ودعتك.. وسلاما عليك يوم ولدت ,, ويوم رحلت ,,