غزة .. حقل تجارب للأسلحة (الإسرائيلية)
تاريخ النشر : 2012-12-06 09:20

غزة – نوى
جريمة  لازالت ملامحها حاضرة في أذهان من تابع وسائل الاعلام خلال الحرب وشاهد الجثة المتفحة للشهيد رامز حرب 38 عاما حينما قذفته طائرة حربية بثلاث صواريخ وهو يؤدي عمله في برج الشروق .
عند وصوله لمستشفى الشفاء كان جثة لا ملامح لها أصابت أحد العاملين في قسم الاستقبال بالشفاء بحالة إغماء ، وبمجرد ان شاهده أهله علت اصواتهم بالنحيب لهول المنظر واغمي على بعضهم
 بينما مازالت جثة الرضيع عمر المشهراوي – التي أصيبت بالحروق جراء القصف (الإسرائيلي)- حديث أطباء قسم الاستقبال في مستشفى الشفاء, رغم أنه جاء في الليلة الأولى من العدوان.. وقتئذ حاول الأطباء اسعافه لكن دون جدوى, فجسده الصغير كان  ينصهر في يد الطبيب وهو يحاول علاجه.
شدة الحروق التي غطت جسد الصغير لم تمكنه من البكاء, فذلك كان واضحا في فيديو منشور على صفحات التواصل الاجتماعي, يظهر فيه الصغير وهو يحاول تحريك لسانه حتى صعدت روحه البريئة إلى بارئها.
لم يكن عمر وحده من فقدته عائلة المشهراوي, فقد ارتقت أيضا زوجة عمه هبة الترك شهيدة قبل أن يمضي على عرسها خمسة شهور بل وتحمل في أحشائها طفلين، حيث كانت الشظايا التي اخترقت جسدها كافية لإنهاء حياتها دون تمكن الاطباء من انقاذها.
مجازر كثيرة خلفتها الحرب الأخيرة راح ضحيتها المواطنون العزل الذين اعتبرتهم (إسرائيل) بنك اهداف لها جعلت أجسامهم متفحمة واخرى بالكاد تمكنت الطواقم الطبية من لملمة لحمها المتناثر, مما شكل دليلا واضحا على أن (إسرائيل) استخدمت أسلحة محظورة ومحرمة.
تلك المشاهد المؤلمة حركتنا  للبحث عن انواع الأسلحة التي استخدمت ومدى خطورتها على البيئة والانسان الفلسطيني.
 حروق كاملة وتهشم الجمجمة!!
مجازر الاحتلال راحت ضحيتها عائلات كاملة كالدلو وحجازي وأبو زور وأبو كميل كانت اجسامهم المصابة تختلف عن بعضها منها المحروقة المشوهة, ومنها الممزقة الأطراف, واخرى لا توجد فيها خدوش بل انفجار في الاحشاء الداخلية نتيجة القنابل الارتجاجية, مما يدلل على أن (إسرائيل) جعلت من المدنيين العزل مختبرا لأسلحتها الحديثة التي تريد من خلالها قمع المقاومة والترويج لتسويق أسلحتها للعصابات في الخارج.
هول المشاهد التي وصلت مستشفى الشفاء جعلت الأطباء والممرضين فيها يتهربون من ذكر ما شاهدوه خلال الحرب  باعتبار تلك الأيام صفحة سوداء طويت من ذاكرتهم, ومنهم رئيس قسم الاستقبال والطوارئ د. أيمن السحباني قال :" في كل عدوان تشنه (إسرائيل) على غزة تركز على استهداف المواطنين في منطقة معينة لكن هذه المرة وصلتنا حالات مختلفة كالحروق الكاملة وتهشم في الجمجمة وخروج المادة الدماغية، بالإضافة إلى حالات جديدة كاستشهاد الأطفال بسبب ضغط الهواء مما تسبب في تهتك وتمزق اعضاء الجسم".
 وأشار السحباني إلى استخدام (إسرائيل) اسلحة ثقيلة سببت المواد الكيمائية التي يحتويها الصاروخ بحرق المواطنين العزل وحولت أجسام الكثير منهم إلى جثث متفحمة وأخرى أشلاء .
نسبة الاعاقات 5 %
تحدث الناطق الاعلامي باسم وزارة الصحة في قطاع غزة  د. أشرف القدرة مستذكراً أحداث العدوان على غزة خلال تواجده في قسم الاستقبال بمستشفى الشفاء فقال :" في الأيام الأولى من الحرب استخدمت (إسرائيل) قنابل حارقة وكان ذلك واضحا على الحالات التي وصلت إلى مستشفى الشفاء، بالإضافة إلى تفحم اجساد الشهداء".
وبحسب متابعة القدرة للحالات وجد أن الطائرات (الإسرائيلية) استخدمت صواريخ حارقة عند استهدافها للسيارات وتجمعات المواطنين ، ومن ثم لجأت إلى الاسلحة الفتاكة التي من شأنها بتر الاجزاء العلوية والسفلية لجسم الانسان وكذلك تفتيت الانسجة.
ولفت إلى ان نسبة الإعاقات من الإصابات بلغت 5% ومن المحتمل زيادة العدد لاسيما ان عدد الاصابات تجاوز الــ 1400 اصابة جزء كبير منها مصاب بالرأس والنخاع الشوكي .
ويوضح القدرة أن طائرات الاحتلال استخدمت أسلحة أكثر ضراوة تسببت في اذابة الانسجة مما يؤكد استخدام (إسرائيل) انواعا جديدة اكثر تطورا وتعقيدا باعتبار غزة بالنسبة لها حقل تجارب.
وتابع: "حينما استخدم العدو جميع أنواع الأسلحة التي تحتوي داخل اجسامها على مواد سامة قاتلة كان يريد اغتيال الطفولة حيث 40 % من الاصابات أطفال و 25 % نساء و 20 % مسنين".
 صواريخ مشبعة باليورانيوم
ولمعرفة انواع الاسلحة التي استخدمتها (إسرائيل) في حربها الأخيرة التي خلفت ما يقارب 175 شهيدا وأكثر من 1500 جريح  التقينا نائب مدير شرطة هندسة المتفجرات الرائد حازم أبو مراد في مكتبه حيث  أنهم يقومون أثناء العدوان وبعده بإحصاء ومتابعة الغارات (الإسرائيلية) ، موضحا أنه في هذه الحرب استخدم العدو الطائرات المقاتلة بأنواعها ومنها  (F15)  التي تستخدم لقصف الاماكن المحصنة.
وقال:" القت الطائرات قنبلة MK84) وزنها طن تحتوي على أكثر من مادة متفجرة كبودرة الالومنيوم التي تزيد من ارتفاع درجات الحرارة  وتسبب الدمار، بالإضافة إلى ان الكابح الصاروخي المكون من الحديد المشبع باليورانيوم له آثار سلبية على البيئة في حال اسقط على الارض"، موضحا ان تلك الاشعاعات تشكل جريمة حرب مستمرة لها اثارها التدميرية الخطيرة.
ولفت إلى أن (إسرائيل) استخدمت بكثافة قنابل مسقطة موجهة بالليزر في عمليات الاغتيال عن طريق الطائرات المسيرة (الزنانة) ، مبينا أن الصواريخ التحذيرية عبارة عن قنبلة يمكنها اختراق طابقين متتاليين بالإضافة إلى أنه لا يمكن استخدامها ضد المدنيين لأثرها القاتل الذي يمزق الاجساد.
يشار إلى أن (صاروخ النمرود) التي استخدمه الاحتلال في حرب الثمانية أيام, حيث كانت تستهدف فيه الطائرات الحربية الاماكن الفارغة والتجمعات المدنية شكل خطرا كبيرا أدى إلى التدمير المباشر في المناطق المكتظة بالسكان ، بالإضافة إلى أن الصواريخ التي قذفت المدنيين تعد خصيصا لمهاجمة جيوش كلاسيكية كبيرة وليس المدنيين العزل.
وحول الفرق بين الأسلحة التي استخدمتها (إسرائيل) في حرب 2008وحرب 2012  ذكر أبو مراد أن الاحتلال في المرة الاولى اهتم بالتركيز النوعي للمادة فقد كان يستهدف المواطنين بقنبلة واحدة ، بينما في الاخيرة كان يقذف ثلاثة قنابل في وقت واحد, الامر الذي ضاعف حجم التدمير والخسائر.
وأوضح أن الحرب الأخيرة كانت جوية ولم تتعرض غزة للهجوم البري الا بشكل محدود عن طريق المدفعيات التي لم تتقدم كما السابق بل اكتفت بالمناوشات من داخل الحدود واستخدام السلاج الجوي الذي اغار على غزة بـ 1500 طلعة جوية بما يقارب 160 مرة يوميا قذفت فيها القطاع بما يقارب 3000 قذيفة جوية.
وفي سؤال طرحناه  حول كيفية معرفة ادارة هندسة المتفجرات بخطورة الأسلحة (الإسرائيلية) اجاب :" لا يوجد لدينا مختبرات لكننا نحكم على الذخيرة المستخدمة من خلال نتائجها والاثار التي تخلفها ، بالإضافة إلى قيامنا ببعض الفحوصات الميكانيكية واليدوية على بعض المواد المختلفة ".
وعن كيفية تعاملهم مع الصواريخ التي لم تنفجر قال خبير هندسة المتفجرات :" نقوم بإزالتها من المكان لنبعد ضررها عن المواطنين ومن ثم نحتفظ بها في مكان امن للتوثيق كذخائر حرب ليتم اتلافها تحت السيطرة والتخلص منها بشكل كامل".
وكشف أبو مراد عن استخدام الاحتلال لنوعين جديدين من الصواريخ في العدوان الاخير الأول (دليلة) من انتاج الصناعات العسكرية (الإسرائيلية) "رفائيل" ويحمل رأسا حربيا يزن 250 كيلو جرام معد لمهاجمة التحصينات ويتمتع بقدرة تدميرية هائلة فقد استخدم لقصف جسر وادي غزة وملعب اليرموك.
بينما الثاني –حسب أبو مراد- فكان قنبلة "SPIS" وتزن طنا وتلقى من طائرات F15 وتصيب الاهداف عن بعد 60 كيلو متر كونها موجهة بالليزر وتحمل قدرة تدميرية مضاعفة عن قنابل الـ MK  ، مشيرا إلى ان تلك القنبلة ضرب بها مجلس الوزراء ومبنى الداخلية وقيادة الشرطة.
مخلفات الكترونية سامة
بعد اعلان  الهدنة وعودة سكان قطاع غزة لممارسة حياتهم الطبيعة اشتكى كثير منهم من الغثيان عند خروجهم إلى الشوارع نتيجة الدخان الذي خلفته الصواريخ مما يدلل على ان الأسلحة التي تستخدمها (إسرائيل) لضرب غزة دائمة التطور مما يؤثر على البيئة بمكوناتها كافة .
تساؤلات عدة طرحناها أمام رئيس سلطة البيئة د. يوسف إبراهيم للإجابة عليها ويقول:" الحروب لها تأثيرات على مكونات البيئة حيث ان الدراسات أوضحت أن معظم الاسلحة التي تستخدمها (إسرائيل) حديثة تحتوي على مواد كيميائية ومشعة مما يسبب خطورة على مكونات النظام البيئي".
وتابع :" الصواريخ (الإسرائيلية) تترك اثارا على الزراعة وبالتالي تحليل المواد الموجودة في الصواريخ تصل إلى الخزان الجوفي مما يؤول إلى تلوث المياه بالمعادن الثقيلة بسبب الدخان الذي يخرج منها " ، موضحا أن القذائف التي يطلقها الاحتلال من البوارج البحرية تؤثر على الثروة المائية والسمكية في قطاع غزة.
وأوضح أنهم في الحرب السابقة اخذوا عينات من اجسام  وشعر الشهداء وايضا من التربة والمياه حيث أثبتت المختبرات أن المعادن الموجودة في الصواريخ بنسبة كبيرة أكثر مما هو مسموح به دوليا وذلك حسب معايير منظمة الصحة العالمية.
وخلال حرب الثمانية أيام كان واضحا من استهداف (إسرائيل) للأراضي الزراعة والمساحات الفارغة وحول ذلك يعلق رئيس سلطة البيئة: "حينما يقصف الاحتلال يتذرع بأن الارضي وتحتها ممرات أو انفاق يستخدمها المقاومون ، لكن حقيقة الامر أنهم يتعمدون قصف البيئة وتعريض الأجيال القادمة لمخاطر تلك المواد الاشعاعية الثقيلة التي تتحلل في التربة ومن ثم إلى جسم الانسان".
وأكد أن خبراء البيئة أثبتوا أن المواد الثقيلة التي استخدمتها (إسرائيل) في صواريخها ضد الغزيين لا تظهر اثارها السلبية بشكل سريع على الإنسان، مشيرا إلى أن مفعولها يبدأ بما لا يقل عن ثلاث سنوات في الوقت الذي ينسى الانسان سبب مرضه.
وأفاد أن عددا من الأطباء الأجانب حينما يأتون غزة يأخذون بعض عينات الشهداء الى بلادهم لاكتشاف خطورة السموم المتواجدة في صواريخ الاحتلال وبعد الفحوصات تدين النتائج (إسرائيل) لانتهاكها حقوق الانسان الغزي ، لافتا إلى أن الاجانب يكتفون بعرض النتائج على الجهات المعنية من الفلسطينيين دون اعلانها عبر وسائل الاعلام كي لا تمنعهم حكوماتهم من المجيء لغزة حفاظا على العلاقات بين حكوماتهم و(إسرائيل) .
وفيما يتعلق بالأسلحة الحديثة التي استخدمت في الحرب الاخيرة على غزة أوضح أن (إسرائيل) استخدمت متفجرات مكونة من معادن ثقيلة ومواد مشعة ومواد سامة كالألمونيوم والكادميوم والراديوم والرصاص والزرنيخ والتنغستون الذي يمنع لمسه ، مبينا ان عنصر الالومنيوم يسبب ضمور الجهاز العصبي وفقدان الذاكرة وعدم القدرة على الانتباه والارتجاف الحاد .
وعن مادة الزرنيخ بين إبراهيم أنها تعمل على استثارة المعدة وانخفاض انتاج الجسم من خلايا الدم  وتغيرات في الجلد.
وحول عدم وجود مختبرات في قطاع غزة لتحليل المعادن التي تقذف على الفلسطينيين قال :" نقص الاجهزة الحديثة يعود إلى أنها باهظة الثمن لذا بدأنا تشكيل مختبر بيئي لمتابعة ومعالجة قضايا التلوث التي تخلفها صواريخ الاحتلال".
وأضاف :" في حرب 2008 استعانوا بخبراء اجانب حيث اخذوا عينات من التربة والمياه وذهبوا بها إلى بلادهم لتحليلها وأثبتت أن هناك مواد سامة"، متابعا: في الوقت الحالي نفكر في الاستعانة ببعض الدول العربية لمساعدتنا في تحليل اثار العدوان على غزة من الناحية البيئية.
واعتبر إبراهيم أن كثافة القصف تزيد نسبة التلوث لاسيما القصف الافقي ( مساحة واسعة) وانتشار حجم المقذوفات، مؤكدا في الوقت ذاته ان المواد الناتجة عن الصواريخ تحتاج لوقت للتأثير على الإنسان والنباتات والمياه.
ولفت إلى ان (إسرائيل) " تستهدف في كل حرب الابار ومياه الشرب وشبكات الصرف الصحي ومحطات معالجة المياه لتؤثر على صحة المواطن الفلسطيني ليعيش في بيئة ملوثة.
وفي ظل التهاون الدولي ستبقى (إسرائيل) متخذة من المواطنين الغزيين بنكا استراتيجيا لأهدافها تفرغ فيه شراسة أسلحتها الفتاكة لغياب أية عقوبة دولية تردعها ، مما يحول البيئة إلى حقل تجارب من شأنه بث المواد  السامة الباعثة على الأمراض.