ناجيات من الحرب... يعشن مرارة الفقد وأنين الذاكرة
تاريخ النشر : 2012-12-05 20:22

نوى/غزة/

"لا شئ يدعو للبقاء في هذه الحياة.. عائلتي ذهبت وأخذوا قلبي معهم"، بتلك العبارات المؤلمة المختلطة بالدموع قالت "ريم الدلو" الأخت الكبرى لعائلة الدلو "دموعي لم تجف حتى اللحظة ولا أستطيع ان اتصور ما حدث فأمي وأخوتي كانوا أغلى ما أملك، ذهبوا حتى دون أن أودعهم"، مشيرة الى أنها لا تنام من كثرة الوجع والأسى الذي حل بهم،بعد ان فقدوا 9 من افراد اسرتهم جراء غارة نفذتها طائرة حربية إسرائيلية من نوع "إف 16" استهدفت بيتهم في حي النصر بمدينة غزة ودمرته بالكاملخلال العدوان الاخير نوفمبر 2012 على قطاع غزة.

ذكريات الحادثة

تسترجع ريم ذكريات ما قبل القصف الذي حل بهم بيوم واحد" ذهبت الى بيت اهلي لأبيت هناك نظرا الى انهم منطقة آمنة، وبنفس اليوم وقبل القصف بساعة قررت العودة الى بيت زوجي، وحزنت كثيرا لأن والدتي لم تمسك بي وتركتني أغادر"، .. "لم أكن أعلم أن قلبها يشعر بأنه سوف يحدث شئ" تتمتم بأسى.

وتصف ريم حالتهم الآن قائلة" إن الأسى والألم الذي حل بنا لا يرينا بصيص امل بتلك الحياة، فأبي وأخي " الناجين فقط من العائلة" حتى اللحظة الصدمة لاتفارقهم، فكلما ذهبوا الى مكان بيتنا المدمر من القصف، لا يغادرون إلا والهم قد كسا وجوههم"، ..." غصة في القلب لا يمكن مداواتها" تنظر الى الأرض بعيون حزينة.

تكمل شقيقتها " نور" عنها الحديث ودموعها تلتمع في عيونها، قائلة: " كانت مهمتي الأساسية أن أحضن أطفالي من الأصوات التي كانت تسبب لهم ذعرا شديدا، وفجأة كان الصوت الأكثر رعبا فلم أسمع مثله من قبل، هز أرجاء البيت لدرجة أوقعت الشبابيك من مكانها، لم أتوقع أن الاستهداف كان منزل عائلتي".

وأضافت: " فجأة سمعت أصوات تتعالى بالشارع، لكنني لم أفهم أين كان الاستهداف...ابن سلفي الصغير: " خالتو ريم دار أهلك"، أصبت بذعر شديد،  وصدمة لا يمكن وصفها ونزلت الى الشارع، الا أن والدة زوجي أوقفتني، وبعدها فقدت الوعي، ولا اعلم ماذا حدث معي "، مشيرة الى أنها أفاقت بعد برهة وجيزة واصطحبها زوجها الى مستشفى الشفاء ، متممة: " كانوا جميعهم شهداء".

تصمت نور قليلا وتكمل حديثها: " استشهدت والدتي مثال الحنان، واستشهد أخي الذي نحبه كثيرا فقد كان نعم الأخ، استشهدوا وتركوا غصة في القلب لا تداويها الأيام، فكلما نظرت الى والدي يقشعر جسدي وأتألم كثيرا لتلك الحرقة التي في عينيه".

تختم حديثها بصوت مخنوق" قدر الله وما شاء فعل، الله يرحمهم ويحتسبهم مع الشهداء، وحسبي الله ونعم الوكيل".

عائلة الدلو احدى العائلات التي استهدفها الطيران الاسرائيلية بكل وحشية وكانت الاكثر دموية ومأساة، اضافة الى عائلات ومنازل مواطنين مدنيين استهدفها الطيران وهُدمت البيوت فوق رؤوس أصحابها دون سابق إنذار، لإخلائها وسويت بالكامل بالأرض .

شهد العدوان للمرة الرابعة

عائلة صلاح التي تقع في مخيم جباليا شمال القطاع شهدت على جرائم الاحتلال للمرة الرابعة بعد أن قصفها الاحتلال  منذ  الحرب الماضية عام 2008 على قطاع غزة، فمشاهد الدمار وركام المنزل الذي أصبح حجارة متناثرة, كانت توحي بمجزرة اسرائيلية حلت بالعائلة.. وبعد انقشاع غبار الصواريخ لم يصدق أحداً أن العائلة بأكملها نجت من الموت تحت ذلك الركام.

ثلاثون إصابة تنوعت ما بين المتوسطة والخطيرة انتشلتها الطواقم الطبية من تحت أنقاض المنزل المكون من طابقين، والذي سوي بالأرض جراء استهدافه، من بينهم امرأة أنقذها الدفاع المدني بعد ساعة من سقوط المبنى فيما كانا اخر الناجين طفل وطفلة هما احفاد صاحب المنزل التي جاءت امهما لتحتمي بمنزل والدها من كثرة القصف.

أمي تحت جسدي

تقول أم محمد صلاح التي نجت من تحت الركام:"جميع أفراد المنزل كانوا نياما وفوجئنا بضربة قوية في بيتنا، لم نستطع الهرب من منزلنا بعد سقوط أول صاروخ من طائرة أف 16 لان الاحتلال عاود ضربه بصاروخين متتاليين حيث جعلت جدران المنزل تنهال علينا جميعا وتكدسنا فوق بعض على الأرض والركام فوقنا لا نقدر على الحركة نحن وأطفالنا".

وأضافت وتعابير وجهها تعيد ماحدث من مآساة: " والدتي سقطت أسفل مني دون أن أعرف أن من يتحرك تحت جسدي هو جسد والدتي، فقد كنت أحاول أن أنقذ نفسي لأنقذها لكن دون فائدة فقد كان الركام كثيرا وثقيلا"،مشيرة الى ان رجال الإسعاف قاموا بانتشالهم بصعوبة من تحت ركام المنزل.

وتكمل حديثها والألم يبدو عليها: " يخيم الليل علينا ويأتي الذعر معه،بالكاد نتحمل صوت طائرات الاستطلاع ونحن خائفون فما بالك بأن تقصف الطائرات الحربية لمنزلنا وبأكثر من صاروخ، صمتت قليلا...هذا الشعب تحمل كثيرا".

 

وتضيف: " معظم الاستهداف كان اطفال ونساء فقد ربو الذعر في أبنائنا وأظن أن كثير من النساء بحاجة الى ندوات مكثفة للتعرف على كيفية التعامل مع أطفالهم خاصة بعد ذلك العدوان الذي خلق الذعر بهم".

ولعل عائلتا الدلو وصلاح مثال حي لما حل بالسكان الابرياء في قطاع غزة جراء العدوان الاخير والذي ادى الى استشهاد ما يزيد عن 175 مواطناً واصابة اكثر من 1500 جريح جلهم من النساء والاطفال دون تحريك أي ساكن من العالم .