نابلس تتربع على كنز من الآثار المنكوبة بالإهمال
تاريخ النشر : 2012-12-05 09:05

نابلس - نوى /

"تحت نابلس مدينة كاملة... و سراديبها لم تكشف بكاملها حتى الآن".. هي الكلمات التي تسمعها كلما سألت عن سر المدينة القديمة في نابلس، مدينةٌ تظهر أطلالها حيناً وتختفي حيناً آخر، تكشف عنها الحفريات مصادفةً أو عمليات البناء، وأحياناً أخرى يأتي بها موسم المطر، فيخرج أهل المدينة فرحين باكتشافهم بئر رومانية، أو سرداب قديم، أو ممر خالطته الأتربة فكشف الشتاء عباءته وانسحب.

 

أكثر من ألفي مبنى أثري تقبع بين جبليها جرزيم وعيبال، بعضها يشير إليه أهلها بالبنان وبعضها يختبئ بين أكوام الأتربة والأعشاب وركام البيوت.. جولةٌ بسيطةٌ بين ثناياها تفتح عينيك على المشكلة.. "من المسؤول عن الإهمال أو التخريب الواقع على هذا الأرث الإنساني العظيم؟"...

 

و لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال، كان لا بد من جولات طويلة بدءا من المدرج الروماني في منطقة راس العين، إلى المقابر الرومانية في وسط البلد...

 

بتوكيلٍ من مَن؟..

في منطقة رأس العين، بوابةٌ منزويةٌ بين البيوت ومحلات الحدادة، تظهر أمامك مصادفةٌ لوحة تشير إلى قِدمه، أمام مدخله تجتمع بعض القطع الحديدية التي أنجزها صاحب المحددة المجاورة، هو مالك مفتاح البوابة، مسؤول عن إرشاد السياح إلى "أكوام الحجارة والخردة والأعشاب"، وشرْح الكلمات القليلة التي احتوتها اللوحة لهم..

يقول صاحب المحددة المجاورة: أن مديرية الأثار إضافة إلى ممثلين عن البلدية وطلبة متطوعين من جامعة النجاح، قدموا منذ عامين بعدو وفاة حارس المدرج كبير السن، وقاموا بتنظيف المكان دون ترميم المدرج، وبناء بوابة جديدة، ووضع اللوحة الإرشادية، و منذ ذلك الحين يقوم بوضع معداته الحديدة هناك، مقابل جهوده في فتح البوابة و إرشاد السياح القلائل.

 

ويعد المدرج الروماني جزء من خريطةٍ كاملة لمدينة رومانية مندثرةٍ تحت المباني والركام، تمتد هذه المدينة من أطراف جبل جرزيم حيث يوجد معبد هناك تحول الآن إلى نقطة للجيش الإسرائيلي تشرف على المنطقة الشرقية، نزولاً منها إلى شارع روماني تحفه الأعمدة من جانبيه لم يبق منه اليوم إلى مقطع صغير تحت مدرسة ظافر المصري، ولهذا المقطع قصةُ أخرى..

 

ثم يرتقي الشارع نحو المدرج الروماني في منطقة راس العين و ميدان الخيل في منطقة الدوار حالياً، و نحو المقبرة الرومانية التي تقع خلف المجمع الغربي للمدينة، وجميع هذه الآثار لا تحظى بأي شكلٍ من الإرشاد أو الترميم.

 

يشير كتابٌ لم يخرج حيز التوزيع بعد، يحمل عنوان "نابلس مدينة الحضارات_ " Nablus city of civilizations استغرق في إعداده المهندس نصير عرفات مدة تزيد عن الـ 14 عاماً إلى أن المدرج الروماني المذكور يعد واحداً من أكبر المدرجات الرومانية الموجودة في منطقة بلاد الشام، يحتوي الكتاب أيضاً صوراً للمدرج الروماني في حالةٍ جيدة، أما على أرض الواقع فيبدو أن المدرج الروماني أصبح مكباً للنفايات ليس إلا.

 

 

 

في حين أفرغ المقطع الأخير من الشارع الروماني تحت مدرسة ظافر المصري  من كل محتوياته الأثرية وتعرض للسرقة والنهب خلال الاجتياح الإسرائيلي الأخير، كما كُسر عدد من القبور الموجودة فيه، وبدا خاوياً على عروشه خالياً من أعمدته ومبانيه، أما المقبرة الرومانية المختفية وراء المتاجر والمحال التجارية، فلا تحظى بأكثر من لوحةٍ طارئة الوجود تقول ها أنا ذا.

 

 

وفي معرض سؤالنا لأحد التجار المجاورين حول عدد السياح الذين يزورون المقبرة أجاب بأن العدد يترواح بين 4-6 أشخاص كل بضعة أشهر، بينما أشار الحداد "المشرف" على المدرج الروماني في إجابتين منفصلتين إلا أن عدد السياح يتراوح بين 12 سائح في الشهر أو في السنة !!.

 

أما ميدان الخيول فقصة أخرى لا تحظى من السرد سوى بالنزر اليسير.. مُلاكٌ كثـر.. مساحاتٌ مترامية.. ميزانياتٌ مفقودة.. وخططٌ لم توجد بعد.

 

المختص بمتابعة شؤون الآثار في مديرية الأثار في نابلس "عبد الرحيم عواد" يشير إلى أن الحفاظ على مثل هذه المواقع الأثرية مشكلةً تكتنفها جوانب عدة، من أبرزها الإشكالية القانونية فيما يخص ملكية مواقع الآثار، حيث أن أكثر من 90% من المواقع الأثرية الهامة تقبع تحت بند الملكية الخاصة، بل في كثير من الأحيان تزداد المشكلة تعقيداً عند الحديث عن عشرات الدونمات التي تمثل عدداً كبيراً من الملكيات وبالتالي صعوبة الوصول إلى وضع مرضي لجميع الأطراف يساعد الحكومة في استملاك هذا الموقع.

 

حديث أصحاب الأرض والملاك يتجه نحو دربٍ آخر، ففي حديثنا مع السيد أسعد حمامة الذي يقوم على استئجار بناء تراثي وهو "حمام الدرجة" يعود ملكه لآل عبده يقول: "توجهت العائلة إلى البلدية ومديرية الأثار وتم الحديث معهم بخصوص استصلاح البناء وإعادة ترميمه وتم انتظار الرد أو أي تغيير على الوضع القائم ولا مجيب.. نتيجة لذلك قمنا باستئجار المكان واستخدامه كمأوى للحيوانات الداجنة !".

 

البلدية من جانبها وعلى لسان المهندسة المعمارية العاملة في شؤون ترميم وإعمار البلدة القديمة رانيا طه، أكدت أن ما يقال عن دور البلدية المتأخر في هذه الجوانب لا صحة له، فقد قامت البلدية في الأوائل من العقد الأخير بالعمل على مشروع إعادة ترميم للمناطق الأثرية والتراثية في المدينة ومنها المدرج الروماني وحمام الدرجة إضافة لعدد من المواقع الأخرى، وخير دليل على ذلك هو عقدها اجتماعات مكثفة مع المالكين وأصحاب المواقع والاتفاق معهم على استبدال ملكياتهم بملكيات أخرى، بهدف تعويضهم عن خساراتهم والمحافظة على هذه المواقع كملكية حكومية بحتة.

 

وأشارت المهندسة في المجال ذاته إلى أن البلدية بدأت في ذاك الوقت مخططات تهدف لإخلاء المناطق السكنية المحيطة بالمدرج الروماني تمهيداً لفتحه بشكل موسع وكشف المزيد من معالمه، كما أعدت العدة لتأهيل مباني أثرية في البلدة القديمة من بينها حمام الدرجة بتكاليف تصل إلى 10 الألاف دولار، وهو ما لم يتم نتيجة لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وتعرض مدينة نابلس لاجتياحات عدة دمرت بنيتها التحتية، مما اضطر الجهات الممولة والمانحة إلى تحويل تدفقاتها المالية نحو إعادة تأهيل المساكن وتقديم الخدمات الصحية والتأهيلية للسكان كأولوية لها في ظل تلك الظروف.

 

أما عن دور مديرية الأثار في الوقت الذي غيبت فيه بلدية نابلس لأسباب تتعلق باختلاف الأولويات أثناء الانتفاضة فقد أشار الخبير "عبد الرحيم عواد" إلى أن جهود الترميم تحتاج إلى ميزانيات هائلة لا تستطيع السلطة الوطنية توفيرها في الوقت الذي لا تستطيع فيه تأمين الرواتب لموظفيها.

 

 ونوه عواد أيضاً إلى أن غياب الميزانيات يجعل التعليم والصحة أهم بكثير من التعامل مع الأثار، دون تغييب لأهمية هذا الجانب بل هو إرجاءٌ له، مؤكداً أن الحكم على عمل وزارة السياحة والآثار لا يكمن من خلال موقع أو موقعين، ففلسطين تحظى بالألوف من المواقع الأثرية التي تمثل مختلف الحقب الزمنية، لكن الحكم يأتي من خلال السياسات التي تنتهجها الوزارة على مستوى الوطن.

 

وفي معرض سؤالنا له عن حال ما بقي من الشارع الروماني أو عن مستقبل المدرج الروماني أو المقبرة الرومانية القديمة، أجاب عواد أن مديرية التربية عملت على تنظيف مقطع الشارع من مخلفات الاحتلال لكن عدم توفر كوادر كافية في المديرية وسرقة وضياع الكثير من القطع الأثرية فيه حال دون فتحه أمام الزوار فعاد لحالته البائسة من جديد.

 

و عن مستقبل المواقع الأثرية، قال الخبير عواد:"لا بد أن الميزانيات والمشاريع تتحكم إلى حد كبير بخطط الوزارة لترميم والتأهيل، خاصة مع وطن فيه مئات الآلاف من المواقع الأثرية الهامة".

 

الاحتلال.. الآثار.. المواطن

وحول مدى متابعة المواقع الأثرية في مدينة نابلس، أكدت المهندسة طه أن العمل على متابعة كل موقع أثري في المدينة خاصةً مع مراعاة قيمته التاريخية ليس ذا جدوى على المدى البعيد، وأن منع البناء فوق بعض المواقع لن يؤدي إلى جعلها مزاراً للسياح في الوقت ذاته، خاصةً أن البناء فيها قد يؤدي للمحافظة عليها طالما راعى الشروط المطلوبة.

 

وفي هذا الصدد أشار المهندس نصير عرفات مدير اللجنة الأهلية للمساعدات الإنسانية والتطوير وإحياء وتنمية التراث الثقافي لمدينة نابلس، إلى أن المواقع تقسم إلى قسمين؛ أثرية وتراثية. فالمواقع الأثرية هي ما كانت مطمورة وتم اكتشافها وتختص وزارة الآثار بهذا النوع من المواقع خاصةٍ إذا ما تم الكشف عنه قبل عام 1950 ويعد المدرج الروماني الذي تم الكشف عنه من هذه المواقع، أما حمام الدرجة إضافةً لبيت دار جري فيمكن اعتباره موقعاً تراثياً يتبع لدائرة الثقافة أساساً.

 

و حول آلية العمل مع الواقع المتاح، فقد أضاف عرفات أن هناك مواقع يُكشف عنها ويتم توثيقها ومن ثم تطمر مجدداً بعدما حُددت قيمتها التاريخية، إضافةً لمواقع أخرى يكشف عنها ومن ثم قد يبنى عليها أو يتم طمرها واستخدام المكان بعد توثيقه بسبب وجود ضغط اقتصادي في تلك المنطقة، ويترك المجال هنا لزيارتها للمختصين، ناهيك عن المواقع التي ترفع بشكل دائم وتفتح أمام الزوار مثل المدرج الروماني.

 

و مشكلة أخرى تواجه البلدية، كما تقول مهندسة الترميم طه:" أن ما نلمسه في عملها اليومي يدلل على أن مدى الحس والإدراك بقيمه ما يملكه المواطن مفقود تماماً بل ومنعدم، وكثيراً ما ظهر انعدام الوعي خلال عمليات الترميم في البلدة القديمة حيث يصر المواطنون على استبدال ما تقدمه البلدية من ترميمات أثرية متقنة بتصليحات لا تتناسب مع البيئة الأثرية والتراثية للمكان، فيطالب أحدهم ببلاط حديث بدلاً من ترميم البلاط القديم وتجديده، أو يرفض وضع نافذة على الطراز التاريخي المناسب ويشترط أن تكون من الألمنيوم".

 

أما المهندس نصير عرفات فيجمع أن عملية الحفاظ على الأثار لا يمكن أن تكتمل بدون اهتمام وحافز لدى المواطن نفسه، فما الفائدة من تعميير المباني وترميم المواقع طالما يتم سرقتها وأحياناً بأيدٍ فلسطينية؟؟.

 

و ككل عملٍ تنموي تكاد ساقه تتطاول في فلسطين يبزغ الاحتلال كمعولٍ له، وتجمع الأطراف بأكملها على دوره في انتكاسةٍ لا بد منها، والحال في مجال الآثار ليس بمختلف...

 

المواطن "أبو حسين جري" يقطن بالقرب من البلدة القديمة، بني بيته على موقع يضم بقايا آثرية تعود للحقبة الرومانية، سألناه بدورنا عن مآل هذه الأثار وعن متابعات وزارة الآثار لها، وعن تفقدات طواقم البلدية لسلامتها، فما كان منه إلا أن حدثنا عن دورٍ غريب للاحتلال في هذا الجانب.

 

يقول:" بدأنا البناء قبل مجيء السلطة إلى الضفة، واستطعنا في ذاك الوقت استصدار رخصة بناء من الإدارة المدنية مع الاتفاق على الارتفاع لمدة 85 سم عن البقايا الأثرية في قطعة الأرض، وهذا ما كان.. وبعد سكننا بفترة فوجئنا بدورية إسرائيلية تقف أمام باب البيت، حيث قام الجنود بالدخول إلى الطابق الأرضي في البيت وأخذ قياسات البناء، ومن ثم إصدار مخالفة بحقنا، وفرض غرامة لتجاوزنا لبضعة سنتيمترات في بناءنا.. وهذا ما كان"

 

و يتابع  حديثه عما آل إليه الحال بعد مجيء السلطة الفلسطينية فيقول :" لم يتفقد البناء منذ مجيء السلطة سوى مرة واحدة فقط، من قبل بضع فتيات تابعات لطواقم البلدية منذ ما يزيد عن الـ7 سنوات، ومنذ ذلك الحين لم يأت أحد لتفقده أو الكشف عنه، علماً أن هذا الموقع تعرض في إحدى السنوات للانهيار نتيجة لتجمع مياه المطر فيه وتضعضع أساساته".

 

هواجس التاريخ وملامح الماضي لم تكتمل بعد، ما زال الضباب يلف التاريخ في مدينة نابلس.. تنتظر آثارها المشاريع الممولة حيناً.. الخطط الترميمة.. همةً المواطن وحسه الوطني.. النظرة المستقبلية للحكومة.. وحتى يحين موعد انقشاع الضباب عنهم أو عن شيء منهم.. ربما حينها سيغدو المستقبل فعلاً.. بحاجةٍ إلى ترميم.