رام الله - منتصر حمدان:
حسم الطالب رامز سليمان، قراره بالانتقال الى التعليم الصناعي كي لا يكون ضمن صفوف الخريجين العاطلين عن العمل، وكله أمل أن يساعده قراره بانقاذ مستقبله كونه يدرك الصعوبات التي تواجه خريجي الجامعات للحصول على وظيفة.
وقرار رامز بالانتقال الى المدرسة الصناعية في مدرسة دير دبوان الصناعية شرق رام الله، حظي بدعم أسرته.
وقال رامز: "قررت عدم اضاعة الوقت في الدراسة التقليدية والانتقال للدراسة الصناعية التي اعتقد انها أفضل بالنسبة لتطوير قدراتي ومهاراتي في المجال التقني"، موضحا انه يرغب بدراسة الهندسة الالكترونية التي أحبها واقتنع بأهمية دراستها.
وانهى رامز دراسة المرحلة الأساسية قبل قراره بالتوجه للتعليم التقني والمهني، حيث يأمل في أن يساعده هذا القرار برسم تفاصيل مستقبله بعيدا عن التعليم النمطي الذي يجنح اليه أغلبية الطلبة.
وقال: "أشاهد المئات من خريجي الجامعات من دون وظائف، وهذا دفعني لتغيير مسار تعليمي نحو التعليم التقني والصناعي لأنني أجد نفسي فيه أكثر"، خاصة انه يشتمل على التعليم التطبيقي والعملي أكثر من حفظ المواد التعليمية.
ويعتقد رامز ان انهاء تعليمه الصناعي والتقني سيوفر عليه الانضمام الى طوابير الخريجين الباحثين عن العمل خاصة في ظل الأرقام والاحصائيات التي تشير الى مشكلة حقيقية بات يواجهها الطلبة الخريجون من الجامعات في هذا المجال.
وفي اطار دعم أسرته لهذا القرار يقول والده باسم سليمان: "لم أتدخل في قراره لكنني اعتقد انه قرار صائب كونه يحب هذا النوع من التعليم".
واضاف: "حينما عرض الأمر أمامي قلت له بوضوح: أنت الآن قادر على اختيار ما تريد ونحن معك". وتابع أن تشجيعه لقرار ابنه بالانتقال للدراسة الصناعية نتج عن مشاهدته للكثير من خريجي الجامعات الذين لا يجدون فرصة عمل ويصابون بالاحباط.
وتعتبر مشكلة الحصول على وظيفة بالنسبة للطلبة الجامعيين من أبرز المشاكل التي يعانون منها بعد التخرج خاصة عندما تشير الأرقام والاحصائيات الرسمية في وزارة التربية والتعليم العالي الى ان عدد الطلبة في الجامعات والكليات والمعاهد يصل الى قرابة 220 ألف طالب وطالبة على مستوى الضفة وقطاع غزة ما يعني ان المجتمع مطالب بتوفير وظائف لهذا العدد الكبير.
وبات التعليم الصناعي والتقني والمهني يحظى بالدعم الرسمي الحكومي من خلال تشجيع ودعم توجهات الطلبة نحو هذا النوع من التعليم كونه مرتبطا باحتياجات المجتمع ولا يقل أهمية عن التعليم التقليدي، لكن المشكلة الأساسية في هذا الأمر تكمن في نظرة المجتمع السلبية للطلبة الذين يتجهون نحو التعليم الصناعي ويعتبرونهم أقل ذكاء من أقرانهم الدارسين في المدارس النظامية.
ويرى الباحث والاعلامي محمود فطافطة الذي أنجز مؤخرا دراسة بعنوان: "الشباب في فلسطين.. قضايا شائكة وحلول معلقة" لصالح مؤسسة اعلامنا للأبحاث والتطوير، ان غياب المعلومات حول التعليم التقني والمهني ادى لايجاد صورة سلبية حول التعليم المهني اضافة الى انه حد من توجه الطلبة لهذا التعليم وولد نظرة دونية له باعتباره خيارا للطلبة ذوي التحصيل المتدني.
ورغم ربط الاستراتيجية الوطنية للتعليم والتدريب الفني والمهني، بتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية في فلسطين مع وجود عدد كاف من مخرجات هذا التعليم، الا انها تؤكد استحالة تحقيق التنمية في ظل نقص أعداد الخريجين منه.
وقال فطافطة: " العديد من الطلبة يختارون مسار دراستهم استنادا لعوامل اجتماعية والتقاليد والأعراف ويسعون الى وظائف ومهن يعتبرها المجتمع جيدة بدلا من مؤشرات واحتياجات سوق العمل".
واشار الى ان العديد من الدراسات والأبحاث تؤكد ان نظام التعليم الرسمي في الضفة وغزة يوجه الطلبة نحو العمل في قطاع الخدمات ما يساهم في تحويل مسار الخريجين نحو الهجرة للخارج، لأن السوق المحلية غير قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من المتقدمين للوظائف الخدماتية".
وتابع: "من الواضح انه لا توجد محاولات لادخال التعليم والتدريب المهني لتوسيع خيارات الطلبة وتلبية احتياجات السوق المحلية".
وتوجد في الضفة الغربية وقطاع غزة نحو(48) كلية ومدرسة تقدم خدماتها التعليمية في المجال الصناعي والمهني، في حين لا تزيد نسبة الطلبة الذين يقدمون امتحانات الثانوية العامة في المجال الصناعي عن 5% من نسبة طلبة الثانوية العامة الذين يصل عددهم قرابة 85 ألف طالبة وطالبة، في حين ان نحو 1700 طالب قدموا العام الجاري امتحان الثانوية العامة ولم تزيد نسبة نجاح بينهم على 56 %.
وحسب ما أكده مستشار الرئيس لشؤون تكنولوجيا المعلومات، والمتخصص في هذا المجال، د.صبري صيدم، فان 26 ألف خريج وخريجة يتنافسون في الحصول على نحو 2000 وظيفة في سوق العمل المحلية كل عام.
ويعكس حديث صيدم عن ذلك اشكالية كبيرة يواجهها الطلبة الخريجون، تستدعي التدخل العاجل لوقف هذا النزيف في الموارد البشرية التي لا تجد متنفسا لها في سوق العمل وتساهم في احباط الطلبة وذويهم الذين استثمروا الكثير من المال والوقت والجهد دون ان يحقق الخريجون أهدافهم أو حتى يضمنوا حصولهم على وظيفة.
والأمر بالنسبة لصيدم لا يتوقف عند ذلك حينما يشير الى ان الفئة العمرية (ما بين 10 الى 35 عاما) تشكل نحو 72 % من المجتمع، ما يدلل على ان المجتمع الفلسطيني هو مجتمع فتي وبحاجة لعملية تخطيط ممنهج للاستفادة من هذا المورد وعدم تحويله الى موادر بشرية معطلة في المجتمع، مشددا على أهمية المراجعة واعادة التقييم لنظام التعليم في فلسطين.
وقال صيدم: "علينا التحدث بصراحة، نظام التعليم في فلسطين لم يعد صالحا وبحاجة لاعادة تقييم جذري حتى يكون قادرا على التعامل مع المتغيرات والمستجدات والتطور الهائل".
واضاف: "التعليم في فلسطين بحاجة لنهضة عامة ودعم التعليم التفاعلي والتحليلي والابداعي".
ويدعم وكيل وزارة التربية والتعليم العالي، د.محمد أبو زيد، أهمية العمل لتشجيع الطلبة للالتحاق بالتعليم الصناعي والمهني والتقني، مشيرا الى ان هذا التوجه لا يمكن تحقيقه من دون دعم مجتمعي وتعزيز الثقافة الايجابية لهذا النوع من التعليم ورصد الموازنات المالية لتطويره.
ورغم حرص وزارتي التربية والتعليم العالي والعمل، على دعم التدريب المهني والتقني، الا ان المشكلة تكمن في عدم وجود نظام متكامل في مدارسنا لفحص احتياجات واهتمامات وميول الطلبة لمساعدتهم على اتخاذ القرارات بخصوص نوعية التعليم الذي يحتاجونه حيث يبقى هذا القرار لدى الطالب أو أسرته.
وعن ذلك يقول وكيل مساعد وزارة العمل آصف سعيد: "نحن نسعى بالتعاون والتنسيق والتكامل مع وزارة التربية لوضع خطة تقوم بالأساس على معرفة ميول الطلبة في المدارس وتوجيههم نحو التدريب التقني والمهني وفق خطة ارشادية مبنية على أساس معرفة احتياجات سوق العمل".
وأشار سعيد الى ان الوزارة تلمس اقبالا كبيرا من قبل الطلبة والباحثين عن فرص عمل على التعليم والتدريب التقني في السنوات الأخيرة، الا انه اوضح ان مخرجات ونتائج هذه الجهود ما زالت ضعيفة.
وقال: "لا يمكن تحقيق أفضل النتائج في هذا المجال دون عملية تكاملية بين وزارتي العمل والتربية والتعليم وبقية المؤسسات الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص"، مشيرا الى ان وزارة العمل سعت منذ سنوات لتطوير مراكز التدريب التابعة لها في كل المحافظات والتي يصل عددها الى 13 مركزا.
وكشف سعيد عن عزم الوزارة افتتاح ثلاثة مراكز جديدة للتدريب التقني والمهني في العيزرية وسلفيت وطوباس بدعم من البنك الاسلامي وتطوير نوعية وجودة البرامج التدريبية في هذا المجال.
ويعطي سعيد أهمية بالغة لفكرة بناء نظام واجراءات رسمية في المدارس لاستكشاف ميول الطلبة واحتياجاتهم ومساعدتهم في التدريب والتعليم التقني وفق احتياجات سوق العمل، موضحا انه جرى تأهيل وتطوير قدرات 50 مرشدا ومدربا في مجال التعليم والتدريب التقني والمهني سيتولون الاشراف على ارشاد الطلبة ومساعدتهم في اختيار نوعية الدراسة.
واوضح ان هناك اقساما في جميع مكاتب العمل التابعة للوزارة وظيفتها ارشاد الطلبة أو الباحثين عن فرص العمل للتوجه نحو التدريب المهني والتقني، الأمر المتوقع منه ان يزيد نسبة المشاركة في قوى العمل المحلية.
وتنظر وزارة العمل الى التشغيل باعتباره العنصر الأساس في عناصر الانتاج الاقتصادي والمجتمعي، والمحرك الأقوى لسوق العمل بمدخلاته ومخرجاته من الموارد البشرية المدربة من مشغلين وباحثين عن عمل، وفي سبيل حصر وتنظيم الجهود المبذولة في قطاع التشغيل وترشيد وتخطيط الموارد عبر سياسات وبرامج تشغيلية موجهة ومتناغمة، مشيرة الى الاستراتيجية الوطنية للتشغيل التي تسعى للنهوض بأوضاع سوق العمل وتنظيمه ورفع كفاءته التشغيلية وقدرته الاستيعابية على نحو منظم وموجه في اطار سياسة وطنية شاملة، قادرة على وضع الأساس الصالح والمتين لبناء الاقتصاد الوطني المتحرر من التبعية للاقتصاد الاسرائيلي، عبر تعاون ثلاثي تكاملي بين الشركاء الاجتماعيين المستند إلى الحوار الاجتماعي الممأسس والممنهج الذي يمهد للقطاع الخاص ويعبد الطريق أمامه ليكون بحق نواة الدولة المستقلة.
وتنطلق هذه الاستراتيجية من عدة محاور رئيسية أبرزها تفعيل الشراكة الاجتماعية من خلال مجلس اقتصادي اجتماعي، واستراتيجية التدريب المهني والتقني لخلق فرص التوظيف الذاتي، والمجالس المحلية للتشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني، وانشاء وكالة وطنية عامة للتشغيل، واعادة تفعيل الصندوق الفلسطيني للتشغيل والحماية الاجتماعية.
وبينما يجري العمل لوضع خطط وبرامج جديدة لتطوير التعليم المهني والتقني في فلسطين، فان الطالب رامز استبق هذه الجهود باتخاذ قراره على أمل ان تتاح له فرصة تحسين مستقبله وفتح مشروعه الشخصي من أجل مستقبل أفضل.
