سجلت القوى والفصائل السياسية الفلسطينية مضمون معارضتها لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية تحت الرعاية الأميركية لأكثر من سبب:
أولاً: لأنها تمت في ظل تراجع القيادة الفلسطينية عن التمسك الحازم بشروطها الثلاثة لاستئناف المفاوضات وهي 1 - وقف الاستيطان الكامل بما يشمل مدينة القدس، 2 - أن تكون خطوط الرابع من حزيران 1967، هي مرجعية التفاوض، خاصة بعد الإقرار الدولي من قبل الأمم المتحدة بقبول دولة فلسطين كعضو مراقب على أساس حدود الدولة وهي حدود 4 حزيران 1967، 3 - إطلاق سراح أسرى ما قبل اتفاق أوسلو 1993.
ولذلك، وعلى خلفية استجابة منظمة التحرير للضغوط العربية والأميركية، بقبول استئناف المفاوضات بدون تلبية الشروط الفلسطينية المعلنة، طالبت القوى السياسية الفلسطينية، ليس فقط بالانسحاب من هذه المفاوضات، التي لا يراهن عليها أحد، بل يطالبون بالتمسك بالشروط الفلسطينية المعلنة، لأن التساهل بشأنها يعني تغيير قواعد اللعبة، تغيير قاعدة المفاوضات وخلفيتها، ما يؤثر جوهرياً على سيرها ومن ثم على نتائجها.
ثانياً: إنها تمت في ظل سعار استيطاني متواصل، وعملية تهويد وأسرلة للقدس والغور والتمدد السرطاني في قلب الضفة الفلسطينية ما يوحي وكأن المفاوضات غطاء للاستيطان، أو قبول به، أو صمت عليه، ولذلك مثلما شكلت عملية التفاوض أداة لإطلاق سراح أسرى ما قبل أوسلو والنجاح بالإفراج عنهم، يجب أن تشكل أداة ضاغطة لوقف الاستيطان، خاصة وأن منظمة التحرير، أوقفت نشاطها في الحصول على عضويتها لدى مؤسسات دولية، أو تأجيل التوقيع على اتفاقات دولية تشكل محاكمات سياسية ومعنوية وقانونية للاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته العدوانية التوسعية.
ثالثاً: لقد حققت منظمة التحرير انتصارين خلال الأشهر القليلة الماضية تمثل:
أولاً: قبول فلسطين كدولة مراقب لدى الأمم المتحدة بتصويت 138 دولة مقابل تسع دول فقط، وهو انتصار كبير، أضاف لفلسطين مكانة قانونية وسياسية نوعية على طريق استعادة كامل حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف أو التبديد أو التراجع مثل: 1 – حقه في الاستقلال، في إطار الأراضي المحتلة العام 1967 وعاصمتها القدس، و2 - حقه في المساواة في مناطق 48، و3 – حقه في العودة للاجئين وفق القرار 194.
أما الانتصار الثاني: فهو قرار المجموعة الأوروبية بمقاطعة الاستيطان والمستوطنين وكل ما ينتج عنهما أو يتعامل معهما وسيتم تطبيق هذا القرار بداية من الأول من كانون الثاني 2014، وهو قرار نوعي اعتبرته الأوساط الإسرائيلية بمثابة زلزال سياسي أوروبي ضد المصالح التوسعية الإسرائيلية، وستكون له نتائج وتداعيات عند بدء سريانه مع بداية العام المقبل.
وكلاهما شكل رافعة قوية مساندة، وإضافة نوعية على الطريق الطويل، ولذلك يجب أن تكون المفاوضات وسيلة كفاحية، لاستعادة الحقوق، بطريقة قانونية دبلوماسية تعتمد استحضار الحقوق المسنودة، والوقائع الحسية والأمثلة الحية والقوانين والقرارات الدولية، والشرعية الدولية، لإقرار هذه الحقوق لاستعادتها، فما هي الخلفية التي شكلت غطاء أو دوافع لمنظمة التحرير كي تقبل استئناف المفاوضات في ظل غياب المرجعيات والقرارات الدولية، بعد أن حققت منظمة التحرير هذين الانتصارين على المستوى السياسي دولياً وأوروبياً ؟؟.
في صلب اهتمامات منظمة التحرير، وبرنامجها، العمل على إشراك المجموعة العربية في تحركاتها، كانت لجنة متابعة مبادرة السلام العربية، التي تشكلت من رحم الجامعة العربية، هي الوعاء للتحرك الفلسطيني العربي على المستوى الدولي.
في 8/4/2013، عقدت لجنة متابعة مبادرة السلام العربية، اجتماعها في قطر، برئاسة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري وبمشاركة 15 وزير خارجية عربياً وأمين عام الجامعة العربية، بحضور الرئيس محمود عباس، وقررت:
1 - إيفاد وفد مكون من ثمانية وزراء خارجية عرب إلى واشنطن، بهدف إجراء مشاورات مع الإدارة الأميركية حول مجريات عملية السلام المُعطلة من مختلف جوانبها وأبعادها وعرض الموقف العربي إزاء مُعالجة القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي، تنفيذاً لقرار القمة العربية الصادر بهذا الشأن في الدوحة يوم 26/3/2013.
2 - التأكيد على وجوب التوجه مباشرة إلى اتفاقية سلام شاملة لإنهاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بتنفيذ قرار مجلس الأمن "242" وتطبيق حل الدولتين.
3 - تشمل الاتفاقية جميع القضايا التي أصبح يُطلق عليها قضايا الوضع الدائم وهي: الحدود، المستوطنات، القدس، الأمن، اللاجئون، المياه، وكذلك الإفراج عن كافة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. مع التأكيد على وجوب تحقيق السلام الشامل على المسارين السوري واللبناني.
4 - يكون الإطار العام لحل الدولتين بحيث توضع أطر واضحة للحل، خاصة وأن هناك توافقاً دولياً واضحاً على الإطار العام الذي يقوم على أساس حل الدولتين، فلسطين وإسرائيل، تعيشان جنباً إلى جنب في أمن وسلام.
أ - الحدود: تقوم الدولتان على أساس حدود 4 حزيران 1967، مع إمكانية تبادل طفيف للأراضي يتفق عليه، متساوية في القيمة والحجم.
ب - الأمن: تحقيق الأمن المتساوي والمتكافئ للطرفين، مع ضرورة تواجد طرف ثالث لمراقبته والتحقق منه وضمانه.
ت - اللاجئون: ضرورة التوصل إلى حل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين استناداً لقرار الجمعية العامة رقم (194) ومبادرة السلام العربية. مع رفض أي تعديل للمبادرة العربية.
ث - القدس: تكون عاصمة لدولتين.
ج - المياه: يتم الاتفاق على قضية المياه وفقاً لقواعد القانون الدولي.
ح - الأسرى والمعتقلون: يتم الإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
5 - يجب أن يتفق على سقف زمني محدد وملزم للتوصل لاتفاقية السلام الشاملة لإنهاء النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. ويجب ألا تزيد الفترة الزمنية على عدة شهور. بعيداً عن الحلول المرحلية والانتقالية، أو إبقاء الوضع على ما هو عليه.
6 - لا بد من بلورة آلية رعاية لطرف مسير وضامن، ذات ولاية قوية وقدرة على قيادة المفاوضات وطرح أطر وبدائل وضمانات لحل القضايا الصعبة.
7 - يلتزم الطرفان بعدم اتخاذ أي إجراءات من شأنها تدمير الثقة أو تعكير المناخ، أو التأثير سلباً على مسار المفاوضات أو نتائجها.
8 - تتوقف إسرائيل تماماً عن نشاطاتها الاستيطانية، حيث إن كافة الأنشطة الاستيطانية غير قانونية ولاغية وباطلة.
9 - تفرج إسرائيل عن الأسرى ما قبل اتفاق أوسلو 1993.
10 - تلتزم فلسطين بعدم اتخاذ أي خطوات نحو الانضمام إلى منظمات أو اتفاقيات دولية أو اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية خلال فترة المفاوضات.
11 - تلتزم الأطراف الإقليمية والدولية ذات الصلة بدعم المفاوضات، وبخاصة دعم السلطة الفلسطينية على استكمال بناء مؤسسات الدولة ورفع كفاءة الاقتصاد الفلسطيني.
وخلال يومي 29 و30 نيسان 2013، عقد الوفد الوزاري العربي، سلسلة اجتماعات في واشنطن مع نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدين ووزير الخارجية جون كيري، وأكدوا تمسكهم بالسلام كخيار إستراتيجي، وملخص ما عرضوه ما يلي:
1 - هدف عملية السلام تحقيق مبدأ الدولتين على حدود الرابع من حزيران العام 1967، مع إمكانية تبادل طفيف للأراضي بالقيمة والمثل.
2 - حل كافة قضايا الوضع النهائي وهي: القدس، الحدود، المستوطنات، اللاجئون، المياه والأمن استناداً لقرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة.
3 - رفض الحلول الانتقالية والمرحلية رفضاً قاطعاً وتاماً.
4 - اعتبار كافة النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية لاغية وباطلة وغير شرعية ومُخالفة للقانون الدولي.
5 - الإفراج عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، خاصة الذين اعتقلوا قبل اتفاق أوسلو العام 1993.
6 - وجوب التوصل إلى اتفاق سلام شامل ودائم وعادل وبما يشمل المسارين السوري والبناني.
7 - التمسك بمبادرة السلام العربية لعام 2002، ورفض إدخال أي تعديلات عليها.
8 - أن تجري المفاوضات برعاية أميركية ودولية مناسبة وضمن سقف زمني لا يتجاوز عدة أشهر.
وبهذا كانت حصيلة زيارة الوفد، وما قدمه للإدارة الأميركية، دعماً كبيراً للشعب الفلسطيني، وبرزت أهميته، أنهم تحدثوا باسم العرب، كصوت واحد، وكانت نتائجه نقطة ارتكاز في كافة المحادثات الأميركية الفلسطينية.
وبعد سلسلة طويلة من الاجتماعات والاتصالات الأميركية الفلسطينية، اجتمعت لجنة متابعة مبادرة السلام العربية في عمان يوم 17/7/2003، مع كل من وزير الخارجية جون كيري، ومع الرئيس محمود عباس، واعتبرت اللجنة "أن الأفكار التي طرحها الوزير كيري أمام اللجنة تضع أرضية وبيئة مُناسبة للبدء بالمفاوضات خاصة العناصر السياسية والاقتصادية والأمنية الجديدة المهمة"، وعبرت لجنة متابعة مبادرة السلام العربية، عن أملها "أن تؤدي جهود الوزير كيري إلى إطلاق مفاوضات جادة تُعالج كافة قضايا الحل النهائي لإنهاء الصراع وتحقيق السلام الشامل والعادل في منطقة الشرق الأوسط لتنعم المنطقة بالأمن والاستقرار والازدهار"، وأكدت التزامها "بمُبادرة السلام العربية، وأن أي اتفاق مُستقبلي يجب أن يكون مبنياً على أساس حل الدولتين من خلال إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران العام 1997 وبعاصمتها القدس الشرقية. مع تبادل طفيف للأراضي بالقيمة والمساحة نفسهما"، مثلما أكدت التزامها بأهمية استمرار التنسيق والتشاور مع وزير الخارجية الأميركي بهذا الخصوص.
وهكذا أعلن وزير الخارجية جون كيري من عمان يوم 19 تموز موافقة طرفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على استئناف المفاوضات في واشنطن يوم 30 تموز 2013.
المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية من وجهتي نظر
تاريخ النشر : 2013-09-13 18:35
