شاهدة على عدوان غزة 2012
تاريخ النشر : 2012-12-04 20:00

ماذا أكتب؟ وكيف؟ ولماذا؟ أسئلة كثيرة ربما هي عاديّة بالفعل،حاضرة أيضاً ولا تحتاج لتفسير أو توضيح أو تلويح بالمعنى من قريب أوبعيد. لكنّه الهزال والأرق والوضع المتأزّم الذي يعيشه الغزيّون منذ سبعة أيّام على التوالي، ذاتهم من ظنوّا بدايةً خيراً أنّ مُصابهم سيستغرق يومين ويمضي في حال سبيله، لكنه لم يفعل، وتطوّر الأمر حتى فاق حد الشهداء المائة. هنا تحديداً نأسف للقراء كوننا لا نستطيع أن نذكر رقماً محدداً للشهداء، فهم يتساقطون على مدار الساعة دون توقف، ونخشى أن لا نكون صادقين معكم، كذلك هم الجرحى والمصابين بالجرح والحزن. بينما أختبئ أنا في البيت منذ سبعة أيّام بالتمام والكمال، من الطبيعي أن يبدو الأمر معيب إلى حد ما، ربما كثيراً، بل كثيراً جداً، لكنّه الخوف لا مهرب منه ولا منجى، ربما الخوف من الخوف ذاته أحياناً أخرى، يُطارد الجميع في كل بيت وشارع ومسجد.
هي حالة من الغيبوبة لا أوّل لها ولا آخر، تتبدّل بين أشكال مختلفة، بين متابعة الأخبار هنا وهناك، من التلفاز إلى المذياع إلى صفحات الإنترنت إلى تحليلات أهل البيت التي يطمئنون بها أنفسهم، إلى وجبات الطعام التي لا تتوقف على مدار الساعة. لا تفهم إن كان ماتتذوقه طعاماً فعلاً أم هو خوفك، تحاول تقطيعه بين أسنانك مضغة مضغة، فلا تجد تعريفاً لجوعك سوى تلبيته على الفور.. بعدها، تنتفخ معدتك آنذاك، تلحقها بسوائل ساخنة، باردة، وأخرى غير معروفة درجة حرارتها. تفاصيل كثيرة، لا أفهم لماذا أنهمك في كتابتها الآن، بينما أهرب عن توصيف حال مقعدي الذي يهتزّ مع كل إنفجار يقع في القطاع، لحظتها ينطلق صراخي دون وعي مني «يا الله احمينا» تتبعه شتائم مبتكرة جديدة لا أعرفها ولا تعرفني، تخلقها الحالة الهستيرية المتجددة الصاخبة الدائمة، الهادئة في ذات الوقت. تماماً مثل موسيقي «شوبان» التي تضج في أذني هذه اللحظات. نعم أُحاول الاسترخاء قليلاً، أرغب في سماع أغنية لويس آرمسترونج «ما أجمل هذا العالم»، وأتخيّل أنّ تلك الإنفجارات المدويّة مجرد ألعاب ناريّة ستنتهي قريباً قريباً. ولكن من قال أني أحب الألعاب النارية؟ وبالمناسبة ليست القصة أنني على خلاف مع أنواعها وأشكالها وألوانها وفرحها وابتذالها وصخبها، وإنما ظننت أنّ هذه الليلة ستكون آخر ليالي الشؤم، أن يوّقع اتفاق التهدئة الموعود مثلما أسرّت بالنا وسائل الإعلام المحلية والدولية...إلخ.لكن الباعة المتجولون سبقوا جميع وسائل الإعلام المحلية والدولية إلى ذلك، حينما أنبئوا قلب أمي بقربها من شوارع غزة الخائفة، كيف؟ زعيقهم المعتاد في طرقات حينا: «يلا بندورة، خيار.. يلا بطاطا» يُخبرها أنّ الأمور ستعود لسابق عهدها. هي من فرط طيبة قلبها، تتمتم في المطبخ «مادام في بياعين بالطريق، يعني هديت الأوضاع» وتتابع تنظيف الأطباق في المطبخ، فيما يلهث لسانها بالدعاء لتحسين الحال.
أسمع تمتماتها تلك كأنّها نبوءات صادقة. أبتسم لها، وأصدقها من كل عقلي وقلبي، إلى أنّ يدوى صدى انفجار قريب من البيت، يُحطم كل النبوءات القديمة والحديثة والكاذبة والصادقة، ومن جذوري يدفعني إلى التمسك بالمكتب الخشبي الذي أجلس بقربه، وكأنّه سيحميني من الموت لو جاءني. بجانبي كأس ماء باردة لا تكفي لتهدئة أعصابي الآن، ربما تفعل، لاتفعل، لا أدري..
هذه الليلة هي الليلة الأكثرعنفاً من غيرها، انتبهوا.. ماتقدّم هو خلاصة سبّات ولعنات نسوة استيقظن لحظة انفجار هزّ منطقتنا السكنية، أخذن بالعويل طويلاً «يخرب بيتك يا إسرائيل، لعنة الله عليك لعنة مبيتة من قلب مظلوم» بعد خمس دقائق توقفن عن العويل كأنّ شيئاً لم يكن، ربما، لكنهم ربما في الصباح يذهبون لرؤية الدمار وجهاً لوجه، عيناً لعين، قلباً لقلب، بالله لويس آرمسترونج  أرني عالمك الجميل؟
والآن، وبما أنني لا أستطيع منع طائرات العدو من التحليق فوق بيتي، وقصف ماتشاء من مباني سكنية، أين أذهب بالخوف الذي يسكنني بعد جرعة ارتباك مركزّة؟ للطعام؟ ليس هناك بديل آخر. هل يتفّهم المطبخ كل ذاك الاحتياج؟ كل ذاك الجوع لإخماد القلق بين فينة وأخرى؟ أظنه يفعل ذلك، ولو أنّه غير ذلك لانفجر بنا منذ اليوم الأوّل للعدوان، لكنه كان مطبخاً عاقلاً في زمن يندر فيه العقلاء.
الساعة الآن الثانية وسبع وأربعين دقيقة، لا أفكر بشيء إطلاقاً، إطلاقاً، إطلاقاً مرة أخرى، وليس هناك حديث في رأسي يودّ أن يُكتب أو قصة ترغب أن تروي حكاية ملايين الصور المؤلمة للأطفال المقطعين إلى أشلاء. لست من عشّاق تلك الصور، حتى أنني توقفت عن متابعة أي أخبار كانت. فقط سأهدأ كثيراً كثيراً، ربما أفعل أشياء خارجة عن القانون، أشياء خارج الإطار،خارج أي شيء.. أي شيء!
نعم.أعذروني على أنفاسي الضائعة بين فقرات النص، للصدق كنت خلالها أسترق النظر إلى حسابي عبر الفيسبوك، أيضاً بريد رسائل العمل. لحظة، دقيقة من فضلكم، أفتش عن صور فوتوغرافية مفعمة بالأمل واحدة فقط، كي أتمكن من ممارسة هستيريتي العاديّة في زمن واقعي جداً، لا يُدرك فداحة الخوف الذي رددته أكثر من مليون مرة في هذا النص المهزوم. حتى ضجر الورق الإلكتروني مني، ونصحني بالنوم كالملائكة الذين كثيراً ما نمنحهم أشكالاً لا ترتقي لبياضهم. تصبحون على خير أو وطن، أو حب يُرطب كل القلوب المتعبة.