من المقولات التي كانت متداولة خلال الثورة الفلسطينية، وأثبتت الأيام خطأها، أنّه في وقت المعركة ومواجهة الهجوم والحريق، يصعب الالتفات إلى ثقب هنا أو هناك في الجدار. كانت هذه الجملة تُقال عندما يطالب البعض بمواجهة الأزمات وحالات الفساد والانفلات، فيقال إنّ المعركة الأساسية ضد العدو تجعل هذه القضايا مؤجلة قليلا. واتضح لاحقا أنها ما كان يجب أن تؤجّل. أمّا المشهد الفلسطيني الحالي، ففيه عدد كبير من الثقوب التي يتم الانشغال بها، فيما الهجوم مستمر. وهي ثقوب تختلف عن تلك التي كان يشار إليها في المقولات؛ فثقوب المشهد الحالي أكثر وأشد تعقيداً.
يجد الناظر إلى المشهد الفلسطيني، على مدار الأيام الماضية، أنّ ما يشغل الرأي العام الفلسطيني قضايا مثل مسيرة معارضة انطلقت في رام الله، ومنعها رجال الأمن من الوصول إلى المقاطعة (مقر الرئاسة الفلسطينية). وأصبح الجدل منصبّا على مجموعة من الفتيات كن يتقدمن مظاهرة، ووجّهن شتائم بذيئة لرجال الشرطة، وأخرى تمثل تجاوزات دينيّة. وبات الحديث عمّا يجوز وما لا يجوز، وعن شرطة تُتهم بالقمع وبمنع المتظاهرين من التعبير عن موقفهم، وتّدعي هي أنّها مارست ضبط نفس شديد هائل أمام الضرب بالأيدي الذي نالته، وأمام الشتائم والتخوين. وتشعب الحديث بشأن السلوك الاجتماعي والسياسي، للفتيات تحديداً. وهناك أنباء الآن عن مظاهرات مضادة قد يتم تنظيمها.
قبل هذا، دار نقاش وجدل لم ينتهيا، وتداولهما الإعلام المحلي في الإذاعات ومواقع الإنترنت؛ عن قضية العقيد في السلطة الفلسطينية الذي اقتحم بيت إحدى المواطنات، في الثالثة فجراً، بقوة السلاح، محاولا عقاب ابنها الذي يتهمه بالتعرض والإساءة لابنه، ولم يخرج سوى بعد صدام مسلح مع قوى أمنية فلسطينية، وصلت الموقع بناء على استدعاء الأهالي. وتفاصيل المشهد، كما قدمته محطة تلفزيون "وطن"، هو أنّ "بهاء كويك طفل في الثالثة عشرة من عمره، رفض مقابلتنا والحديث عن الاقتحام. ويبدو أنه ما يزال مصدوما مما حدث في منزله، حين اقتحم مدير مكتب الطيب عبدالرحيم، أمين عام الرئاسة الفلسطينية، العقيد سعيد أحمد منزله وأطلق الأعيرة النارية في محاولة لقتله". وينشغل الرأي العام الآن بمتابعة إجراءات العقيد المعتقل.
مشهد آخر هو حالات الصدام التي باتت تواجه رجال الأمن الفلسطيني في المخيمات. والمفارقة أنّ المواجهات تحدث بالدرجة الأولى مع عناصر من حركة "فتح" وأنصارها، الذين يُفترض أنّهم يشتركون مع معظم رجال الأمن في ميول سياسية موحدة. وقد أدت الصدامات إلى مقتل شاب في مخيم عسكر قرب نابلس الأسبوع الماضي، فيما شنت قوات الأمن الفلسطيني حملة اعتقالات واسعة النطاق فجر أمس الاثنين في مخيم الفارعة، شمال نابلس، بعد اشتباك بالأسلحة النارية بين عدد من المسلحين في المخيم وقوات الأمن خلال محاولتهم اقتحام المخيم.
ومع بداية العام الدراسي في الضفة الغربية، تطغى الاحتجاجات والإضرابات وإغلاق الجامعات كسمة عامة للحدث. والمفارقة، مرة أخرى، هي أنّ الجميع يتفق مع حقيقة أنّ عدم قدرة الأجهزة الحكومية الرسمية على توفير الدعم المستحق والمقرّ أصلا لهذه الجامعات، يشكل جزءا أساسيا من المشكلة، وتأتي الاحتجاجات بقيادة حركة الشبيبة الطلابية، الذراع الشبابية لحركة "فتح".
في الأثناء، تتفاقم مشكلة الأنفاق في قطاع غزة، مع حديث عن منطقة عازلة مصرية بعمق خمسمائة متر، سيكون لها على الأغلب أثر كبير في تجديد الحصار، وغرق الفلسطينيين في غزة في مشكلات حياتية لا تنتهي.
وفي جانب آخر، استطاعت الفصائل الفلسطينية المختلفة أن تصل إلى موقف بشأن الضربة العسكرية على سورية، وترفضها.
يحدث هذا كله، في الوقت الذي يبدو فيه أنّ القليل جداً يحدث في مواجهة الاستيطان، وهناك القليل من المتابعة والاهتمام للعملية السياسية والتفاوضية. بكلمات أخرى، هناك الكثير من الثقوب، والانشغال بقضايا داخلية في جزء كبير منها، وبعضها لا يوجد أثرٌ مباشر للفلسطينيين فيها. وبكلمات أكثر قسوة: "ينشغل الفلسطينيون ببعضهم"، وبقضايا ما كانوا ينشغلون بها سابقا، وما كان لها أن تشغلهم في زمن الاحتلال.
