رام الله - نوى
إيمان قريع فتاة فلسطينية من بلدة أبو ديس، أدت بها ظروف الحياة الصعبة وقلة فرص التشغيل للعمل منذ ما يقارب العام في خدمة المنازل في مستوطنة "معاليه ادوميم" الواقعة شرقي مدينة القدس بعد وفاة والديها، محاولة في ذلك أن تعيل نفسها وتعيل أخاها المتزوج.
لقمة عيش
تسرد قريع رحلتها اليومية للمستوطنة وتقول: "أعمل يوميا لمدة 3 أو 4 ساعات بما يقدر 100 شيكل (50 يورو) يوميا في منزل سيدة يهودية تسكنه مع ابنتها فقط، كانت بدايتي صعبة لأنني لم أكن أتحدث اللغة العبرية، فكان التعامل مع السيدة صعبا، كما أنني كنت أشعر بالخوف، ولكنني تأقلمت بعد ذلك رغم إحساسي المتواصل بأنني أعمل عند أعدائي، ولكن ماذا أفعل؟؟ لقمة العيش في بلادنا صعبة، ووجدت المستوطنة أقرب مكان للعمل". تحدثك إيمان وهي تمدّ رجلها على كرسي مردفة: "لقد اشتغلت قبل ذلك مدة 7 سنين في إسرائيل في الخضروات، ثم أصبت بقدمي إصابة عمل، وأنكر صاحب العمل حقوقي في العلاج، فعالجت نفسي بنفسي ولكن قدمي ما زالت تؤلمني حتى اللحظة".
وعند سؤالنا لها: "هل تدخلين المستوطنة بحجابك؟"، أجابت: "لا، أنزعه لأنني أتعرض لمضايقات وقذف حجارة من المستوطنين وهم يهتفون "الموت للعرب، الموت للعرب". لذلك أخلعه توخيا من مضايقاتهم"
متابعة: "إذا حصلت على فرصة عمل في بلدي، سأترك في الحال المستوطنة وأنخرط في وظيفتي، لأن أكثر ما يؤلمني هو الشعور بالخزي عند الوقوف على حاجز المستوطنة منتظرة العبور إليها والعمل فيها".
تسهيلات
إيمان قريع هي من بين 20 ألف فلسطيني يعملون داخل المستوطنات الإسرائيلية وفقا لتقرير أصدره جهاز مركز الإحصاء، إذ يعمل ما نسبته 1.8% من العمال وفقا لعقود بينما يعمل 3.5% بعقود عمل محددة المدة، 94.7% يعملون بدون عقود، مما يعرضهم للاستغلال من قبل المشغليين الإسرائيليين أو السماسرة الفلسطينيين وحرمانهم من حقوقهم في التأمين الصحي أو دفع تعويضات نهاية الخدمة أو التعويض في إصابات العمل.
وحول الأسباب التي تقف وراء ازدياد عدد العمال الفلسطينين في المستوطنات أفاد الباحث الاقتصادي في مركز الدراسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" إبراهيم أبو هنطش بأن ذلك يرتبط بالأسباب المتعلقة بانخفاض القدرة الاستيعابية للاقتصاد الفلسطيني في القطاع العام والخاص على حد سواء، إضافة إلى تقديم الجانب الإسرائيلي تسهيلات نسبية للعمال وخصوصا التوسع في منح تصاريح العمل لهم".
مضيفا: "إن تأثير ذلك على الفلسطيني ينحصر في انسلاخ المواطنين عن أراضيهم وخاصة المزارعين منهم وزيادة اعتمادهم على الجانب الإسرائيلي للحصول على احتياجاتهم من المنتجات الزراعية، وتغير أنماط الاستهلاك للعمال حيث تزيد لديهم النزعة الاستهلاكية ولا يقبلون العمل بأجور أقل في الاقتصاد الفلسطيني".
في حين يوضح الباحث الاجتماعي عبد الستار شريدة أن" نسبة العمال تتفاوت حسب المواسم وطلب السوق في المستوطنات"، مؤكدا أن "هناك زيادة سنوية في أعدادهم لهشاشة الاقتصاد الفلسطيني ومحدودية سوق العمل، وعدم إقرار السلطة الفلسطينية لقانون يحظر العمل في المستوطنات ، على غرار حظر المنتجات".
استغلال
أوضح شريدة أن "من محفزات النشاط الاقتصادي للمستوطنات الأيدي الفلسطينية زهيدة الأجر، مقارنة بالعمالة المستوردة التي تتقاضى أضعاف ما يتقاضاة الفلسطيني، إضافة الى حرمان الفلسطيني لحقوقه العمالية كالتأمين الصحي ومكافأة نهاية الخدمة".
ووافق هنطش فيما قاله شريدة بأن: " العمال ينشطون في القطاع الزراعي للمستوطنات لأنها تعتمد الزراعة أكثر من البناء، وهذا ما ينعكس بشكل إيجابي على وجود المستوطنات ويؤثر سلبيا على الاقتصاد الفلسطيني، حيث تحصل المستوطنات على قوة عاملة فلسطينية كبيرة بأجور قليلة نسبيا، وخاصة لدى مقارنتها بأجور الإسرائيليين أو العمال الأجانب، إضافة إلى ارتفاع إنتاجية العامل الفلسطيني وعدم تحمل تكاليف إقامته في المستوطنة حيث يعود العمال إلى منازلهم في حال الانتهاء من العمل".
وتحدث مدير الدائرة القانونية للاتحاد العام لنقابات العمال في مدينة أريحا مصطفى عوضات بشكل تفصيلي أكثر قائلا: "يعمل أغلبية العاملين في حصاد التمر الآن، إذ أن العامل يبقى على شجرة النخيل مدة 8 ساعات دون النزول عنها، يتعرض لللسع من حشرات قاتلة كما أنه يأكل ويقضي حاجته فوق الشجرة، وهذا استغلال خطير ولكنه ليس أخطر ممن يعملون في البيوت البلاستيكية حيث الرطوبة والحرارة العالية جدا مما يجعلهم عرضة لمخاطر التسمم من المبيدات والغازات والأبخرة، بالإضافة إلى التعرض لإصابات قاتلة من المعدات الصناعية أو الزراعية، بحيث لا يوفر لهم المشغل الإسرائيلي وسائل السلامة الكافية ويتخلص منهم بطريقة غير قانونية ولا يدفع لهم مقابل إصاباتهم أو نهاية خدماتهم (...) نحن في الاتحاد نقوم تثقيف هؤلاء العمال ورفع وعيهم بحقوقهم وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم، وتوقيف محامين للدفاع عن قضاياهم المسلوبة في المحاكم الإسرائيلية وأيضا الفلسطينية".
البحث عن بدائل
تطرح وزارة العمل الفلسطينية استراتيجيات وبرامج تشغيل تستوعب عمال المستوطنات أو قروض ميسرة بأرباح محدود، إلا أن ذلك لم يحقق الغاية المرجوة منها، يعلق هنطش: "من الصعوبة استيعاب هذا الكم الهائل من العمال في السوق بسبب تدني مستوى الأجور مقارنة بما يُدفع لهم في المستوطنات، وانخفاض الطلب على المنتجات المحلية، مما يعني أن المنشآت تعمل بأقل من طاقتها الإنتاجية ومع ذلك لا تستطيع خلق فرص عمل جديدة. من جانب آخر، القطاع العام يعاني أساسا من تضخم أعداد العاملين فيه، ولذلك فقد اتبعت السلطة الوطنية سياسة لضبط الإنفاق التوظيف لعدم قدرتها على تحمل الزيادة في فاتورة الرواتب".
أما حول إمكانية استيعاب الأيدي العاملة في المشاريع الاستثمارية الفلسطينية التي تقام في الأغوار أو مناطق أخرى في الضفة، فيؤكد شريدة: "11 مشروع زراعي فلسطيني استوعب 600 عامل، وهو رقم جيد اذا أخذ بعين الاعتبار أن قطاع الزراعة التصديري الفلسطيني في الأغوار تطور بعد العام 2010 بمساحة لا تتجاوز 7 آلاف دونم مقارنة بأكثر من 30 ألف دونم للمستوطنات الزراعية. كذلك لا يمكن اغفال حجم الاستثمار الاسرائيلي في هذا القطاع بالأغوار والذي يصل لنحو ملياري دولار، مقارنة بنحو 5 مليون استثمار فلسطيني".
وصال الشيخ – هنا امستردام
