الخطوة القادمة
تاريخ النشر : 2012-12-04 00:46

شكّل التصويت في الأمم المتحدة لصالح دولة فلسطين انتصاراً كبيراً للفلسطينيين يضاف إلى الانتصار الآخر الذي تم في غزة في صد العدوان، وهو انتصار يجب التفكير الجدي في الخطوات القادمة التي تجعل منه ليس مجرد انتصار رمزي وعاطفي بل دفعة قوية لتطوير الحالة الوطنية وجعلها أكثر قرباً من تحقيق التطلعات. ثمة شعور شعبي عارم بضرورة القفز إلى السؤال الأهم المتعلق بإنجاز المصالحة بعيداً عن بلاغة التوصيف وثقل العتاب وتبادل الاتهامات، ومن المؤكد أن أي قراءة موضوعية للسياق الفلسطيني الآني تقول: إن أشد ما يعانيه الشعب والقضية هو الانقسام الذي شكّل انتكاسةً كبرى في طريق إنجاز التطلعات الوطنية والحقوق الثابتة. وعليه فإن الانتصار الآخر المنتظر سيكون حتماً بتجسيد الوحدة الوطنية وإنهاء ملف الانقسام وطي صفحته للأبد دون ندم أو أسف. وليس المرء بحاجة لتذكر مساوئ الانقسام ولا نتائجه الوخيمة، فهي ما زلت ماثلة أمام الأعين كما أنه ليس بحاجة لاستذكار فوائد إنهائه، ولكن ما نحن بحاجة إليه هو النوايا الصادقة التي تخرج من نطاق الانسياق العاطفي اللحظي إلى حيز التنفيذ الفعلي.
لم يكن الذهاب إلى الأمم المتحدة مجرد تعبير صارخ عن فشل عملية السلام فحسب، بل هو تعبير أيضاً عن الحاجة لحماية الحقوق الفلسطينية من سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، خاصة أن هذا المجتمع هو من وهب فلسطين ـ أرض الآباء والأجداد ـ للمستوطنين اليهود من بقاع الأرض. وكما اتضح فإن الأمر لم يكن هيناً، حيث خاض الفلسطينيون معركةً شرسةً في كل زاوية من عواصم العالم على أصوات الدول المختلفة ليتمكنوا في آخر المطاف من تحصيل الأعداد المطلوبة لنيل العضوية المنقوصة التي فشل مجلس الأمن في إعطائهم إياها كاملة العام الماضي. لقد حظي القبول الفلسطيني بدعم شعبي كبير عبّر عن نفسه في المسيرات التي انطلقت في كل أرجاء الضفة الغربية وقطاع غزة والخارج دعماً له كما في الموقف الفصائلي الداعم، حيث حظي بدعم جل فصائل العمل الوطني والإسلامي مما شكل رافعةً إضافيةً للاستحقاق جعلت من إنجازه انتصاراً وطنياً للجميع دون تمييز.
الأمر ذاته ينسحب على التصدي للعدوان على غزة والانتصار الفلسطيني في صده وخلق حالة من الإرباك في الساحة الإسرائيلية، حين دكت الصواريخ الفلسطينية تل أبيب والقدس. لقد حظي صد العدوان بالتفاف كبير من قبل الفصائل الوطنية والإسلامية سواء في الميدان وساحة الاشتباك أو من خلال الموقف السياسي والحراك الدبلوماسي في تضافر كبير أثمر حالةً من الاستبسال جعلت وقف الحرب انتصاراً كبيراً للفلسطينيين عبّر عن نفسه أيضاً في المسيرات العارمة التي خرجت في قطاع غزة كما في الضفة والشتات ابتهاجاً بالانتصار. وربما على عكس العدوان السابق عام 2008 فإن ثمة شعوراً بالانتصار في هذه الحرب مرده ربما حقيقة ضرب الفلسطينيين تل أبيب في تحدٍّ واضح لقوة الردع الإسرائيلية. ودون المغالاة في ذلك فإن ثمة شعوراً كبيراً بأن هذا الانتصار كان مهماً.
إن التحليل نفسه هذا يندمج مع التحليل السابق في التأكيد على ضرورة عدم المغالاة في توصيف الانتصار وعدم تقزيمه أيضاً. فالانتصار السياسي في الأمم المتحدة كان فارقاً في تاريخ القضية الوطنية وهو شكل فعلاً تحولاً كبيراً في تعامل المجتمع الدولي مع الصراع وطرق معالجته إن نجح الفلسطينيون في تطوير خطط وآليات عمل تنتقل بهم من مربع البلاغة إلى مربع النضال اليومي في المحافل الدولية لدفع المجتمع الدولي إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية حتى لا يتحول هذا القرار إلى مجرد قرار أممي جديد. وهذا يشمل خطوات كثيرةً وجهوداً معقدةً تجعل من الوصول إلى تلك اللحظة أمراً ممكناً حتى يترجم العالم المقاربة العميقة التي قدمها "أبو مازن" حول الشعب الفائض والدولة الناقصة.
يبدو أن الحاجة الكبرى الآن تتجه إلى سبل الاستفادة من السياقات الجديدة التي أفرزها العدوان والاستحقاق، وهي سياقات تبدو في صالح الفلسطينيين إذا ما استطاعوا تجنب الوقوع في شرك الصراع الداخلي مرة وتفادوا التوصيف الزائد عن الحاجة عن العضلات والقوة. ثمة حقيقة أساسية في كل ما حدث من بطولات في غزة أو في الأمم المتحدة تقول إن هذا الشعب شعب ضحية لقوة بطش كبرى وهو يدافع عن نفسه وهو لم يذهب ليهزم أحداً بل دافع عن نفسه حتى يتمكن من العيش. في هذه الحقيقة قوة وبطولة تكفي وتشفع لها.
إن تحقيق المصالحة وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في أيار من هذا العام يشكل نقطة الانطلاق لوضع عجلات القطار على السكة. لم يعد الناس قادرين على تقبل أي أعذار وأي مسببات تجعل الانقسام ممكناً. إن حالة الوحدة الميدانية والفعلية التي شهدها الشارع الفلسطيني خلال العدوان وبعده وأثناء التصويت لصالح دولة فلسطينية تقول إن تحقيق المصالحة ليس صعباً إلى الحد الذي كان حكواتيو الانقسام من الناطقين والمفوهين يصورونه لنا.
فقط عبر تحقيق هذه الوحدة يمكن للكل الفلسطيني أن يجلس حول طاولة واحدة تحت مظلة واحدة ويناقش مشروعاً واحداً ووحيداً يكون الجامع الكبير للرؤية الفلسطينية، ولما كانت قواعد مثل هذا المشروع موجودة في أدبيات الوفاق الوطني الفلسطيني فإن ثمة حاجة للنظر بعمق في سبل تحقيق هذه التطلعات لأنه ودون أن ينكر أحد فإن ثمة انسداداً في الأفق بحاجة لقوة دفع تفتح طاقة للممكنات. وبالقدر الذي كان فيه انتصار الفلسطينيين في صد العدوان وفي تحقيق العضوية الأممية قوة دفع في تسريع الوصول للمصالحة (يا رب كما سيقول الجميع) فإن من شأن المصالحة أن تكون قوة دفع باتجاه البحث المعمق عن آليات ثقب جدار الأفق المغلق.