الأسير المجاهد جبر أبو عليا حكاية عاشق للبندقية
تاريخ النشر : 2013-09-01 14:44

نظر إليه قاضي المحكمة العسكرية ليقول له : لا يوجد أمامي أي دليل يدينك بشكل مباشر ولكن كل القناعات أنك رجل خطير على أمن المنطقة وأنت من يطلق النار على دورياتنا لذلك حكمت عليك بتسعة عشر عاماً كي لا تفكر بعد اليوم بالقيام بأي عمل ضد دولتنا .

ابتسم له العملاق جبر أبو عليا صاحب القامة السامقة واللحية الطويلة وقال له : هل تظن أنكم ستبقون في بلادنا تسعة عشر عاماً ؟ أنتم إلى زوال ، فاستشاط القاضي غضباً وأمر بإخراجه من قاعة المحكمة محاولين بذلك إسدال الستار على قصة فارس فلسطين ورجلها المقاومة العنيد .

جبر أبو عليا أبو مصعب أشهر من أن يعرّف وأكبر من أن تصفه كلمات لا أعلم إنساناً معروفاً ويتناقل الأسرى قصصه كجبر ، في كل السجون يتناقل الأسرى قصصه وجهاده وحكاياته مع المحتل .

سبعة عشر عاماً مجموع ما أمضى جبر في سجون الاحتلال حتى الآن ، ناهيك عن الحكم الجديد الذي صدر بحقه دون أن تهتز له شعرة أو يشعر باليأس ، تحدث لي بعد حكمه بأيام وحاولت خلال حديثي أن أعبر له عن أسفي وحزني لهذا الحكم فسخر من كلامي وقال في سبيل الله يهون كل شيء .

قصص جبر كما سبق أن قلت يتناقلها الأسرى في السجون يتفكهون ببعضها ويأخذون العبر من بعضها الآخر ، جبر أسطورة من أساطير التحقيق رجل يعتبر الاعتراف خيانة ، في يوم من الأيام وفي تحقيق مركزي على علاقته بعماد وعادل عوض الله تحداه المحقق بأنه سيعترف وسيدلي بكل ما لديه من معلومات ، بدوره جبر قبل التحدي ، كان جبر يعاند المحقق في كل شيء فسأله المحقق ما لون الحليب يا جبر فقال له (بنفسجي ) قال له وأن أجبرتك أن تقول أنه ابيض اجاب جبر أتحداك وحينها سأعترف بكل شيء ، وبدأت الصولات والجولات والحرمان من النوم والشبح لأسابيع والتعذيب الجسدي وفي كل يوم يقول جبر أن لون الحليب بنفسجي حتى ضاق هذا المحقق بجبر ذرعاً ولم تفلح كل وسائل التعذيب في انتزاع اعتراف .

قرر المحقق اعتقال والد جبر وهذا ما تم ، سيق الرجل التسعيني لمركز التحقيق بطريقة وحشية وتم تقييده إلى كرسي خلف ابنه جبر الذي كان يزأر كالأسد ، تألم جبر لصوت أبيه الذي كان يئن من ألم الشبح وسمع صوت أبيه يقول له اصبر يا أبا مصعب ..

مرت الساعات صعبة قاسية على جبر الذي ذرف قلبه قبل عينيه على صوت أنين أبيه .. زاد صراخ الأب من ألم الشبح وسوء المعاملة .. وقدم المحقق بكل خبث وخسة ليسأل عن لون الحليب فأجاب جبر للأسف (أبيض) فابتسم المحقق واعترف جبر بعلاقته بالشهيدين القائدين .

لم تنتهِ القصة ، يتندر جبر ليقول لنا أن الوالد الذي ملأ المكان صراخاً طالباً من جبر الصبر لم يقو على تحمل الكرسي ساعات لعمره الكبير خرج ليتزوج من جديد وأنجب طفلاً وشقيقاً لجبر أسماه (صابر) كناية عن ليلة الشبح التي أمضاها .

قصة بطولية من قصص جبر في التحقيق أنه ذات مرة اعتقل جبر من منزله وتم اقتياده دون ملابس وجبر رجل طويل ضخم فارع الطول وحين وصل مركز التحقيق أحضر المحقق لجبر بنطال وغيار داخلي ليستر عورته ، وفي كل يوم كان المحقق يسأل جبر عن البنطال الجديد في محاولة من المحقق ليسخر من جبر ولكي يقول له أنه لولاه لما لكان الآن عارياً ..

طلب جبر من المحقق أن يفك وثاقه لدقائق استجاب المحقق فما كان من جبر إلا ونزع البنطال والغيار الداخلي وقام بوضعها أمام المحقق وقال له (لا أريد منك شيئاً ) جُنّ المحقق واستدعى طاقم التحقيق الذي ذهل من المنظر رجل طويل عاري تماماً .. رجَوْه لساعات طويلة قبل أن يقبل جبر ارتداء الغيار الداخلي على أن لا يعيد المحقق الحديث عن البنطال مرة أخرى .

قصص جبر في التحقيق والسجون لا عدّ لها وكما قلت جبر الأسطورة تاريخ طويل فسبعة عشر عاماً أمضاها حتى اللحظة من عمره لم تفت من عضده وزادت من ابتسامته وصبره .

جبر حكاية الفلسطيني الذي عشق البندقية لا يستطيع أن يعيش دون إطلاق نار على المحتل ، هكذا يصف نفسه ، حياته وروحه البندقية يتغزل بها أيّما تغزل ويصفها بالمعشوقة السمراء وأنها طريق تحرير فلسطين .

الحكم الجائر على جبر نكش في قلبي وقلب كل من يعرفه وجعاً عميقاً دفيناً وتحدثنا مع من يعرفون جبر عن هذا الحكم فثارت في نفوسنا آلام لحبنا لهذا الرجل وتقديرنا لبطولاته ..

قال لي أحدهم جبر لا يؤمن بغير البندقية تربى وعاش معها وعشقها ولا يستطيع أن يتخيل حياته دونها فلذلك قرر الذود بها عن تراب هذا الوطن وهو الآن داخل سجنه .

لجبر الأسير الآن في سجون الاحتلال بعد أن منّ الله على أولاده الثلاثة بالفرج لن أنسى ما حييت روحك الطيبة وقيامك في جوف الليل تناجي ربك أن يرزقك الشهادة مقبلاً غير مدبر وأعترف أني أحبك وأفتخر بالكتابة عنك للأجيال التي تربّت على سير الرجال.....