في مواجهة الانتفاضة الشعبية المدنية الفلسطينية الباسلة العام 1987، رفع إسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي شعار "تكسير الأيادي" لشباب الانتفاضة، وسعى لوقف الاحتجاجات الفلسطينية على واقع الاحتلال وسياساته وإجراءاته وأهدافه، ولكن رابين فشل في برنامجه، فتحول من قائد عنيد أخلص لبرنامج الصهيونية وعمل على تنفيذ أهدافها على الأرض، ضد الشعب الفلسطيني وعلى حساب مصالحه وحقوقه، ومع ذلك تحول إلى صاحب قرار أعطى الضوء الأخضر لمفاوضات أوسلو غير العلنية، والتوصل إلى إعلان مبادئ واتفاق تدريجي متعدد المراحل يؤدي إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، وإقرار حق الفلسطينيين في دولة إلى جانب إسرائيل.
وقبض إسحق رابين ثمن تحوله وتطور موقفه، بحصوله على جائزة نوبل للسلام، لتوقيعه اتفاق أوسلو مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في حديقة الورود في ساحة البيت الأبيض الأميركي في أيلول 1993.
ومثلما قبض الثمن، دفع حياته ثمناً لهذا الاتفاق من قبل اليمين الإسرائيلي، باغتياله العام 1995، لاتهامه بالتنازل عن أرض إسرائيل، وخيانة الصهيونية، وقبول البرنامج الفلسطيني، وبغياب رابين، وفشل بيريس، وعدم مقدرة يهود باراك وتقلباته، فقد حزب العمل دوره وخسر شعبيته، وبات على هامش الحياة السياسية الإسرائيلية، أمام اندفاع "الليكود" وأحزاب اليمين والمتدينين والمستوطنين الذين يتمسكون بخارطة إسرائيل الكبرى، فكان حصيلتهم ونتاج أصواتهم وقيادتهم، شارون ونتنياهو وأولمرت وليفني الذين تربوا في مدرسة مناحيم بيغن وإسحق شامير، وفلسفة أرض إسرائيل الكبرى، وسياسة التوسع والضم وعدم الإقرار بوجود الآخر الفلسطيني وسحقه.
ومثلما اصطدم إسحق رابين بوقائع الحياة ووجود شعب آخر، هو الشعب الفلسطيني، على "أرض إسرائيل" اصطدم قادة "الليكود" بهذه الوقائع، كل منهم على طريقته.
شارون الأكثر وضوحاً واستجابة، حيث رضخ لتأثير الانتفاضة الفلسطينية الثانية وعملياتها المسلحة العام 2000 وما بعدها، فقرر ترك قطاع غزة من طرف واحد العام 2005، فأزال المستوطنات وفكك قواعد جيش الاحتلال، ورحل عن قطاع غزة، ووضع برنامجاً مماثلاً لجزء من الضفة الفلسطينية، في إطار ما بين الجدارين، الجدار الغربي الذي بناه، والجدار الشرقي المنوي بناؤه، وأدى هذا التحول إلى انشقاق "الليكود" الذي كان يقوده وشكل حزباً آخر على خلفية هذا التحول في موقفه.
ويهود أولمرت، جلس على طاولة المفاوضات في أنابوليس مع الرئيس أبو مازن برعاية الرئيس بوش، العام 2007-2008، واقترب كثيراً من بعض الحقوق والعناوين الفلسطينية بما فيها النقاط الحمراء والممنوعات وفي طليعتها عودة لاجئين فلسطينيين إلى مناطق 48 (إسرائيل) وتقسيم القدس، وإقامة دولة فلسطينية بين الجدارين، بينما نتنياهو المتشدد والحليف الرئيسي لأحزاب المستوطنين والداعم لهم، فقد أعلن موافقته على حل الدولتين ومبدأ إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين، في مؤتمر بار إيلان في حزيران 2009، حتى ولو لم يكن جاداً، ويتهرب من استحقاقات إعلانه ذاك، ولكنه في واقع الأمر السياسي استجاب لشعار الفلسطينيين، ومطالبات الرئيس الأميركي أوباما الملحة.
ما تقدم يشير إلى إمكانية تغيير المفاهيم والتنازل عن المبادئ أمام الوقائع الحسية ومتطلبات الحياة، والتكيف معها، واستمرارية الوجود، هذا التحول في المواقف الإسرائيلية على جدول أعمال حركة فتح، وفي صلب اهتمامات الرئيس الفلسطيني وقناعاته، وهذا ما يُفسر الهجمة الفلسطينية الرئاسية الفتحاوية نحو الأحزاب الإسرائيلية والكتل البرلمانية، حيث لا شيء لا يتغير، مهما تصلب البعض وتطرف، فمصيره الزوال أو الموت أو العزلة أو التكيف مع الواقع باتجاه التغيير، وأبرز مثل على ذلك موشيه أرنز ابن "الليكود" المتطرف ووزير الدفاع الأسبق الذي ينادي بدولة القوميتين، ولا يهاب من القنبلة الديمغرافية، ويقبل التعايش مع الآخر الفلسطيني على أساس المواطنة، وهو تحول يجب أن يكون على جدول أعمال الرئيس الفلسطيني لدعوته واستقباله، وعلى جدول أعمال لجنة "فتح" المختصة ورئيسها محمد المدني، وأعضاء "فتح" المركزيين من نبيل شعث إلى جبريل الرجوب، هذا هو الطريق، طريق البرنامج الوطني الفلسطيني القائم على ركيزتين:
أولهما: التمسك بالحقوق الفلسطينية الثلاثة:
1- حق المساواة في مناطق 48، 2- حق الاستقلال لمناطق 67، و3- حق العودة للاجئين.
وثانيهما: اقتحام المجتمع الإسرائيلي وحوار كافة أحزابه وأطيافه وكتله البرلمانية والتأثير على مؤسسات المجتمع المدني فيه والرأي العام الذي يصنع السياسة ويقودها عبر صناديق الاقتراع، أي باختصار يجب العمل على اختراق المجتمع الإسرائيلي وكسب انحيازات من بين صفوفه لعدالة الحقوق الفلسطينية وشرعيتها.
الـــواقـــع هـــو الأقـــوى
تاريخ النشر : 2013-08-29 16:06
