الغزو من الداخل
تاريخ النشر : 2013-08-25 14:48

"الغزو من الداخل" عنوان قصيدة للشاعر اليمني الراحل عبد الله البردوني شاعت في 80 ق20، وما إن نشرت في إحدى الصحف، يوم ظهرت لأول مرة، حتى أعادت عشرون صحيفة عربية نشرها في اليوم التالي.
ولا أعرف أين قرأت القصيدة أول مرة، ولكني، حين كنت محرراً في جريدة "الشعب" المقدسية، في أواسط 80 ق20، وجدتني أعيد نشرها في "الشعب الثقافي"، وما زلت أحتفظ بالقصيدة منشورة في "الشعب"، لأنني، للأسف، لم أقتن الأعمال الكاملة للشاعر. وما بين فترة وفترة أعود إلى القصيدة فأقرؤها وأحاول أن أحفظها، كما أحفظ قصيدة:
غنّت فيروز مغرّدة وقلوب الشعب لها تسمع
لكن عبثاً أنجح في حفظ قصيدة "الغزو من الداخل" كلها، على الرغم من إيقاعها اللطيف، وغنائيتها البارزة، فهي تحقق ما قاله الشاعر العربي القديم:
تغن بالشعر إما كنت قائله
إن الغناء لهذا الشعر مضمار
القصيدة دائماً، ومنذ سنوات، على مكتبي/ طاولتي أراها صباح مساء وقد أقرؤها كاملة وقد أقرؤها غير كاملة.
لم أقرأ للبردوني أية قصيدة ثانية كما قرأت "الغزو من الداخل"، حتى تلك القصائد التي درستها في مساقات الأدب العربي، مثل قصيدة "وردة .. من دم المتنبي" التي يبدو فيها البردوني هاجياً عنيفاً للأثرياء حين يقول:
هل سيختار ثروة واتساخا أم ترى يرتضي نقاء وعدما
ليس يدري، للفقر وجه قميء واحتيال الغني من الفقر أقمى
ربما ينتخي مليا، وحينا ينحني كي يصيب كيفا وكمّا
لماذا تروق لي "الغزو من الداخل"؟ لست أدري. ربما لأنني أنظر أحياناً فيما نحن عليه فأرى الغزو من الداخل محققاً فنياً. ربما، وقد أكون مخطئاً. قد.. لولا أنني أحياناً أتذكر بعض آراء جريئة للشاعر محمود درويش فيما كانت الدول العربية تريده من منظمة التحرير، في هيئاتها، وكينونتها وتكوينها، ولولا قراءتي رواية "رام الله الشقراء" التي تعكس صورة غير وردية لنا في الضفة، وكأننا مغزون من الداخل.
هل هو عامل ذاتي ذلك الذي يجعلني أقرأ القصيدة وأكرر أبياتاً منها:
فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري
وهل تدرين يا صنعا من المستعمر السري
أحياناً أتلاعب بدال "صنعا" واستبدله بدوال مشابهة لا تكسر الوزن. والغزاة كثر ولا أشاهدهم:
غزاة لا أشاهدهم وسيف الغزو في صدري
***
الآن وأنا أتابع ما يجري في العالم العربي أكرر ما قاله البردوني:
يمانيون في المنفى ومنفيون في اليمن
جنوبيون في صنعا شماليون في عدن
هل يكرر السوريون الآن الكلام السابق محوراً: سوريون في المنفى ومنفيون في سورية؟ وهل نكرر نحن في الضفة وفي غزة الكلام محوراً، أيضاً: "حمساويون" في غزة "فتحاويون" في الضفة... إلخ.. إلخ؟
الشاعر الذي يرى ببصيرته، فهو ضرير ولا يرى ـ كأنما يتذكر المرء قول شاعر آخر: ليتني أعمى لأرى ـ الشاعر يرى الغزاة في أشياء كثيرة،
فقد يأتون تبغاني سجائر لونها يغري
وفي صدقات وحشي يؤنسن وجهه الصخري
وفي أهداب أنثى.. في مناديل الهوى القهري
وفي سروال أستاذ وتحت عمامة المقري
وفي عود احتلال الأمس في تشكيله العصري
وفي قنينة الويسكي وفي قارورة العطر
هل قرأ يحيى عباد صاحب "رام الله الشقراء" قصيدة "الغزو من الداخل"؟ وهل كان البردوني، لو عاش في رام الله، أو لو قرأ "رام الله الشقراء"، هل كان سيغير كثيراً في قصيدته؟ ماذا لو كان في غزة؟ وماذا لو كان في رام الله؟
في بدايات 90 ق20 وجدتني، أيضاً، أقرأ القصيدة غير مرة. لماذا؟ ربما لأنني لاحظت أن الضفة، أيضاً، غدت سوقاً. فجأة قرر الألمان مساعدة أساتذة جامعات الضفة للخروج مما ألمّ بهم في سنوات الانتفاضة. كانت الانتفاضة أنهكت الناس وحاصرت الجامعات، فقد تحوّلت هذه إلى جامعات تعليمية كيفما اتفق، وانعدمت فيها الحياة الجامعية، فلا نشاطات ولا محاضرات ولا مؤتمرات ولا مسرحيات ولا رحلات ولا حياة اجتماعية ولا.. ولا.. ولا.. . يأتي المدرسون إلى مبانٍ سكنية، ويلتقون بالطلاب ويحاضرون كيفما اتفق، ويجرون الامتحانات كيفما اتفق ثم يغادرون الى بيوتهم. وغالباً ما كانت الحياة تتوقف في الثانية ظهراً، حيث يبدأ المبيت الشتوي/ الصيفي مبكراً، وقد انعدمت الحياة الاجتماعية كلها. وفجأة قرر الألمان مساعدة أساتذة جامعات الضفة للخروج مما ألمّ بهم في سنوات الانتفاضة.
أذكر أنني كنت يومها في ألمانيا، وكنت أعدّ حقائبي للعودة إلى الضفة، وما إن عدت حتى بدأ زملائي يسألونني عن أسماء أساتذة ألمان لكي يرسلوا لهم دعوات زمالة، حتى ينفقوا شهراً أو شهرين في ألمانيا. وهات زيارات. ويومها ارتفعت أسهم الألمان كثيراً، فقد استضافت ألمانيا ما هبّ ودبّ ـ من هبّ ودبّ، حتى لو لم يكن يعرف إلاّ لغته العربية، وعاد الأساتذة يلهجون بذكر ألمانيا ويسبحون باسمها ومجدها ويتحدثون عن الحياة فيها حديث من خبرها وعرفها جيداً، حتى لو لم يكن الأساتذة عرفوا شارعاً أو شارعين في المدينة التي زاروها. ولما كانت مرحلة مدريد بدأت، فقد بدأ الزائرون يكتبون عن السلام وأهميته ودعواته في الشعر العربي القديم والحديث وتوقفوا أمام زهير بن أبي سلمى وأبياته، لعلّ ألمانيا تطيل لهم مدة الإقامة فيها، فيتحقق السلام سريعاً. هل كانت (أوسلو) من ثمار أبحاث الأساتذة الذين خاضوا في موضوع السلام؟
تنتهي قصيدة البردوني بالأبيات التالية:
أمير النفط نحن يداك نحن أحد أنيابك
ونحن القادة العطشى إلى فضلات أكوابك
ومسؤولون في (صنعا) وفرّاشون في بابك
ومن دمنا إلى دمنا تموقع جيش إرهابك
لقد جئنا نجرّ الشعب في أعتاب أعتابك
ونأتي كلما تهوى نمسح نعل حجابك
نعم يا سيد الأذناب أنا خير أذنابك
فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري
هناك قصائد يظل المرء يعود إليها ليقرأها. ربما كانت "الغزو من الداخل" إحداها! ربما!