حالة انفصام
تاريخ النشر : 2013-08-25 14:46

ينما كان يقفل هاتفه بوجه محاولاتها اليائسة استمرار العلاقة، كانت تقتحم المكان بطلّة مختلفة. استوقفته عيناها، أذهلته خطواتها الواثقة، استفزه شموخها وكبرياء قامتها.
بينما ترك هاتفه يستجدي الإجابة، كان يختلس النظر إلى هدفه الجديد. ولم تمض ساعات حتى كان قد جمع بعض المعلومات المهمة عن مغامرته الجديدة، ويرسم الصدفة المناسبة للقائها.
كان من هواة جمع ذكريات الحب والغرام، سريعا ما تعجبه الفتيات الجميلات، وسريعا ما يمَلهن وينسحب من الارتباط. كانت كل واحدة منهن تشكل له تحديا ولغزا يستفزه حتى يفكك شيفرته ويحلل طلاسمه. كان ينجح في التوصل إلى أهدافه ببساطة واحتراف، وبسهولة يتمكن من دعوتهن لاحتساء فنجان قهوة في مقهى الجامعة أو الحي. لكنه سرعان ما يملّ ويسأم، ويبدأ التفكير بالمغامرة الجديدة التي ستشكل تحديا ويبدأ بنسج حكايتها. كان يحيل تعدد علاقاته وعدم استمرارها بالطرف الآخر، وكان تفسيره الدائم يدور حول صدمته بالفتيات وسخافتهن، وبأنه لم يعثر بعد على الفتاة التي تقنعه، وبمن تملأ قلبه وعقله، تلك التي تجبره على ترك العزوبية والاقدام على مغامرته الابدية. كان يحلو له أن يكرر مقولته الشهيرة، بأن فك الارتباط يبدأ في اللحظة التي تسأله فيها الفتاة عن برجه.. ليسارع باتخاذ قرار الاستدارة عائدا يحمل أصفاره. 
لم تمض أسابيع قليلة، حتى كان قد تعرف على ما يحتاجه للإحاطة باللغز الجديد: اسمها وعنوانها ورقم هاتفها والأماكن التي تتردد عليها ومكان عملها وبعض مواصفاتها. كان يتعمد أن يأخذ الزاوية القريبة من الطاولة التي تجلس عليها مع صديقاتها في المقهى المفضل لها. 
تعتاد رؤيته في المكان، الرجل الذي لا يظهر اهتماما بكل ما حوله من حركة دائمة، مركزا على كتابه، أو ممعنا النظر في كمبيوتره المحمول. وبين تقليب صفحات قراءاته، كانت عيناه تدور حول المكان، ليستدرك ساحبا نظراته من الفضاء، دون أن ينسى خصَّها بنظرة عابرة تحمل معاني القوة والغموض المحبب، ويسارع إلى غض بصره ليتمعن في الكتاب الذي بين يديه. لقد لاحظت من ضمن ما لاحظته أن كتبه تحمل عناوين مختلفة في كل مرة، وبأنها في الغالب عبارة عن دواوين الشعر والروايات وكتب بلغات أجنبية.
أصبحت تشعر به، كانت تلحظ الهدوء الذي يحيط نفسه به، ويلفت نظرها بساطة ملابسه وأناقته وشرود نظراته. وأكثر ما كان يلفت انتباهها الكتب التي يحملها، ويثير فضولها الدفتر الصغير الذي يدوِّن على صفحاته، بين حين وآخر، بعض الملاحظات السريعة.
لم يفتعل صدفة ليدعوها لشرب القهوة معه، فقد لاحظ اتزانها وكبرياءها، وفكر بأن مثلها تحتاج الى خطة مختلفة بعد ملاحظته تصويب بعض النظرات نحوه.. لقد أحب أن تسعى بنفسها إليه. تعمد نسيان دفتر ملاحظاته على الطاولة القريبة منها، فوقعت سعيدة بالفخ وتسارع قبل انتباه النادل إلى إخفائه في حقيبة يدها، " اعيده بعد قراءة تأملاته وخواطره"..
أسود جميل على أبيض مصقول، نصوص متفرقة، أبيات شعر وخواطر وتأملات شاعرية وبعض الزهور المجففة. توقفت أمام بعض أبيات الشعر التي وضعها في إطار تحت عنوان: لها وحدها. عيناك أصدق كلمتين، عيناك أسعد لحظتين، عيناك أنضر روضتين. وفي صفحات أخرى كتب: عيناك فوق تخيلي، عيناك فوق براعتي، فوق انطلاق يراعتي. 
وأهم ما لفت انتباهها، نص مدهش يتحدث فيه عن ازدواجية الرجل والمرأة، وعن متطلبات الثقة بينهما، مركزا على انفصام الرجل الفكري، وعن متطلبات تحرير عقله. كان للنصوص وقع السحر في النفس. لقد أبهرها خطه الجميل الواثق، والمضامين الراقية التي يحملها. وسرعان ما كانت تدير الرقم الذي وجدته في دفتره بالقرب من اسمه.
كان على أحر من الجمر، مسرعا في طريق عودته من الجامعة بعد نقل شقيقته لدى انتباهه إلى نسيانها دفتر محاضراتها. تصفحه وهو يهاتفها لطمأنتها على وجوده عندما وقعت عيناه على كلمات أنيقة: عيناك أصدق كلمتين، عيناك اسعد لحظتين، عيناك أنضر روضتين..
نسي كل شيء عن موعده وسأمه.. كانت حرارته تتصاعد لتلفح وجهه، ومرجل بدا يغلي تحت عروقه ينتظر أمام الجامعة.