فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة والتصادم العنيف بين الاخوان والدولة المصرية وضع مصر في مركز العالم مرة اخرى. اصبحت مصر على رأس الاجندة الدولية والاقليمية اعتقادا من الجميع بأن المآل الذي ستحصل اليه مصر سينعكس بشكل او بآخر على دول الاقليم وسائر التحالفات والاصطفافات على صعيد عالمي. انه حدث نوعي جديد وضع الدول والقوى السياسية والنخب والرأي العام أمام استقطاب حاد.
لم يكن الحدث مفاجئا، فقد جاء فض الاعتصامين ليكمل ما سبقه من خطوات إسقاط حكم الاخوان، كعزل الرئيس مرسي وتعيين رئيس انتقالي وحكومة انتقالية وإلغاء العمل بالدستور. كان التطور الجدير بالنقاش هو إخفاق المحاولات الاميركية الاوروبية لابرام صفقة بين الاخوان والمؤسسة العسكرية على غرار الصفقة التي ابرمها المشير طنطاوي مع الاخوان بعد ثورة 25 يناير واطاحت بالرئيس مبارك لمصلحة حكم الاخوان.
لم تفلح تلك المحاولة المحمومة في ابرام صفقة جديدة ضد الموجة الشعبية الهائلة (30 يونيو) التي أزالت شرعية حكم الاخوان لمصلحة حكم غير مباشر للمؤسسة العسكرية، مفتوح على اكثر من احتمال.
ما هو ملفت هو تضعضع السيطرة الاميركية على قواعد اللعبة السياسية وارتباك الادارة الاميركية وتناقض اقوالها مع افعالها . قديما قال الزعيم الصيني (ماو تسي تونغ) "الامبريالية نمر من ورق" ولم يصدقه كثيرون، الان وقد تحولت اميركا الى نمر من ورق بعد تقهقرها في العديد من المواقع، لكن قليل من القوى يذكر هذا التحول الدرامي . أميركا خسرت في العراق وافغانستان ولبنان وسورية والان تخسر في مصر بفعل تمرد المؤسسة العسكرية المصرية، اميركا فقدت الهيبة والمصداقية والقدرة على الردع والاقناع.
الغرب ضد العسكر وانقلابهم على الحكم وضد فض الاعتصامات بالقوة ومع احترام صناديق الاقتراع. هذا صحيح لطالما ان المستهدف هو حليفهم الراهن (الاخوان المسلمين). والعكس صحيح كان الغرب مع انقلاب طنطاوي ومع قمع ثورة 25 يناير ومع تصنيع الاصوات "بالغاز دولار والبترو دولار" ومع إقصاء القضاء ووضع دستور لجزء من الشعب المصري ومع صلاحيات مطلقة للرئيس مرسي ومع اخونة مؤسسات الدولة. والسبب الحقيقي وراء ذلك انهم ضد نشوء ديمقراطية في هذه المنطقة لانها ستأتي على مصالحهم الحيوية كما يقول المفكر الاميركي ناعوم تشومسكي. معايير مزدوجة افقدت الغرب المصداقية بشكل متسارع وعميق. يشير استطلاع مؤسسة زعبي الاميركية ان شعبية الولايات المتحدة وصلت الى الحضيض 1% وشعبية أوباما افضل قليلا 3%. ايد الغرب تحالف العسكر مع الاخوان لتقويض الديمقراطية عبر حكم الاخوان وغضوا النظر عن كل انتهاكات الديمقراطية. ورفض الغرب تقارب المؤسسة العسكرية مع الاحتجاجات الجماهيرية الضخمة لانه يحتمل وجود مستوى من الديمقراطية في المدى القريب والمتوسط. تقارب يهدد المصالح الاميركية. وفي هذا الصدد اعلنت حركة تمرد انها بدأت التوقيع على عريضة بالملايين تطالب الدولة المصرية بإعادة النظر باتفاقيات كامب ديفيد وبإلغاء المعونة الاميركية السنوية المقدمة للمؤسسة العسكرية.
إن كل حديث عن اهمية وضرورة السلمية في فض الاعتصام والاحتجاجات، كل استنكار للعنف وأعمال البطش والقتل، كل هذه المواقف مبدئية سليمة. غير ان الموقف المبدئي لا يستقيم بمعزل عن مقومات تجعله قابلا للتطبيق والاخذ. للدولة قواعد وللديمقراطية قواعد ملزمة لطرفين حتى يكتسي الموقف المبدئي لحما ودما. فلا يمكن إدانة عنف الدولة من غير إدانة عنف الجماعة، لا يمكن إغفال حق الدولة في احتكار استخدام القوة دفاعا عن المواطنين. لم يشر كل الذين ادانوا استخدام الدولة للقوة استخدام العنف والسلاح من قبل الجناح العسكري للاخوان والجماعات المسلحة التي تدور في فلكهم. لقد جمع الاخوان بين الاعتصام السلمي والاعتصام المسلح في وقت واحد في الموقعين (رابعة والنهضة ومسجد الفتح لاحقا). واستند الاخوان الى قاعدة عسكرية واضحة المعالم تضم المجموعات المسلحة التي بادرت بالاعتداء على جنود وعناصر الامن في سيناء قبل وبعد عزل الرئيس مرسي. اغفل مريدو السلم والديمقراطية قيام الاخوان بتحويل سيناء الى ساحة قتال ضد الجيش المصري وباستخدام هذا العنف لفرض مواقفهم وبخاصة إعادة مرسي رئيسا. وقد قالوا بصريح العبارة : "ستتوقف الهجمات في سيناء بعد عودة الرئيس مرسي" في اعتراف صريح بالعلاقة مع عصابات القتل في سيناء. أغفل هؤلاء تلويح الاخوان بالحرب الاهلية وممارسة مستوى من تلك الحرب كأداة لتحقيق شروطهم. ثم خطوا خطوة اكثر وضوحا نحو الحرب الاهلية بعد فض الاعتصامين، عندما حرقوا الكنائس وهاجموا المحاكم واقسام ومراكز الشرطة والمتاحف والمكتبات والمحافظات بالسلاح.ما اود قوله ان الاخوان مسؤولون عن العنف بل هم مبادرون اليه. ولا تستقيم إدانة عنف الدولة مع تبرئتهم والسكوت على عنفهم المنظم وذو الطبيعة الطائفية. ولا يجوز استثنائهم من المطالبة بوقف العنف. ولا استثناءهم من الادانة والمحاسبة.
الذين اغفلوا عنف الاخوان، اغفلوا في الوقت نفسه عدم اعترافهم بقواعد الحكم و عدم احترامهم قواعد الديمقراطية. بل ان المدقق لاجراءات الاخوان سيلمس ويرى سعيهم الحثيث لتدمير مقومات التبادل السلمي للسلطة وتدمير مقومات الديمقراطية. وقد جسدوا هذه السياسة بالعمل الحثيث على أخونة مؤسسات الدولة بما في ذلك محاولة السيطرة على القضاء والشرطة والاعلام ومحاولة اختراق المؤسسة العسكرية، وكل ذلك انطلاقا من مصالح جماعة الاخوان فقط لا غير. والاخطر من ذلك ان الاخوان لم يعترفوا بالاحتجاجات الضخمة المناهضة لديكتاتوريتهم ونظامهم المستبد والناشيء الموثقة بالصوت والصورة. وعدم الاعتراف يعني إدارة الظهر لكل المطالب المشروعة وعدم الاعتراف بها. وهنا يمكن الرد على الذين رفضوا تدخل الجيش، وطالبوا فقط بالاحتجاج السلمي بالقول: لم يستجب حكم الاخوان لمطلب شعبي واحد. ولم يحترموا معنى الديمقراطية التي أرادوها لمرة واحدة فقط هي التي توصلهم للحكم وبعد ذلك سينتهي كل شيء ديمقراطي. ويمكن هنا قلب المعادلة بالسؤال كيف يسمح مريدوا السلم والديمقراطية لانفسهم بالتهاون مع تدمير قواعد الديمقراطية في مسار الذهاب الى الدولة الدينية التي لا تؤمن بالديمقراطية. دعونا نتذكر كيف سحق النظام الايراني الثيوقراطي إرادة أكثرية الشعب الايراني. وكيف بقي البشير 26 عاما وسيبقى من وجهة نظر حكمه الديني الى الابد، وكيف ترفض حماس وتقاوم كل حديث عن الانتخابات؟
لقد انتقلت الثورة المصرية من طور الى آخر وسط تدخلات لا حصر لها، وما يهم هو الاستمرار بالثورة الى أن تحقق اهدافها وشعاراتها ( خبز حرية ديمقراطية وإنهاء التبعية بكل اشكالها).
الذين أغفلوا عنف الإخوان !
تاريخ النشر : 2013-08-20 13:24
