أكثر من 50 الف نسمة بلا اهتمام سياسي أو إنساني أو قانوني
تاريخ النشر : 2013-08-16 16:49

 

تحقيق – محمد السمهوري:

اجهش رامي بالبكاء وهو يقف امام غرفته التي لا تصلح لأي شيء، اصر حين وجدني اقف مع عدد من سكان المخيم ان يعرفني على عمته، وان يحكي لي قصته الشخصية، والد رامي غابت اخباره قبل اكثر من 22 سنة في  لبنان، ولا احد يعرف عنه شيء، ووالدته تركته لجدته التي توفيت قبل ثلاث سنوات، لتحمل همه عمته معتله صحياً غير قادرة على الحركة الا بمساعدة، تعتاش من غرفة حولتها الى بقالة صغيرة.

مخيم غزة إلى الغرب من محافظة جرش شمال العاصمة الاردنية عمان، وعلى مسافة تبعد عشرة كيلومترات يقع مخيم غزة للاجئين الغزيين، حيث يقطن فيه قرابة الخمسين ألف لاجئ وهو واحد من أصل اثني عشر مخيما منتشرة في الأردن وبعض الدول العربية المجاور.

وهو اي المخيم سؤال سياسي وانساني عالق في عنق ازمة لا يلتفت لها احد، وحسب سكان المخيم فهم ليس على اجندة احد، لا قيادة فلسطينية ولا حكومة اردنية باعتبرهم يقيمون على ارضها يهتم به، انهم وجع قضية فلسطين، ورغم فقرهم وعوزهم بل وتجاهلهم في مختلف مناحي الحياة وتفاصيلها، الا انهم يصرون على حقهم في الحياة.

حاكمة علي/ مطلقة "المخيم ظروفه صعبة، الكل يأتي ويصورننا فقط حين نستلم المساعدات التموينية، نحن نريد العودة الى وطننا، ارهقنا الفقر اعيل عائلتي واعاني من دسك في ظهري، ولم اعد قادرة على العمل في المزارع"، حاكمة تعيش وعائلتها المكونة من 7 افراد في غرفتين زينكو.

نايف ابو جاموس تجاوز السبعين ويعاني من بطالة لن تنتهي، بل صارت امتياز له ولابناءه من بعده، فالعائلة المكونة من 15 فرد كبار وصغار يتوزعون على غرفتين صغيرتين، فلا احد بحسب نايف يهتم بهم او باحتياجاتهم الانسانية والقانونية "السفارة الفلسطينية لا تقدم لنا اي خدمات بل حين نذهب اليها فلا نلاقي المعاملة الجيدة، فاغلب ابناء المخيم ينتسبون الى قوات جيش التحرير الفلسطيني بسبب عدم وجود مهن اخرى قد يعملون بها".

وليس هو الوحيد الذي يرى ان المخيم وقاطنيه منسين، "نعاني من مشاكل كثيرة منها مشكلة تصريف المجاري، سمعنا ان اليابان قدمت قبل سنوات منحة بخمس ملايين دولار من اجل بناء بنية تحتية للمخيم، لكن المشروع لم ينجز، مياه الصرف الصحي تفيض في الشوارع وتسبب الامراض وانتشار الحشرات والقوارض".

معاناة سكان مخيم غزة لا تعد ولا تحصى فمن الاهمال الانساني الى تحول الفصول الى لعنة وهم ويقول ابو جاموس "في الصيف المياه لا تصل الى مرة واحدة في الشهر، حيث نحضر المياه للشرب من عين مياه قرب المخيم على الحمار، وبعض سكان المخيم يشترونها من البائعين في السيارات" متسائلا "نحن في القرن الواحد والعشرين؟".

ورغم وجود خدمات وبنى تحتية مثل التصريف الصحي في الاحياء والقرى المحاذية للمخيم الا ان المخيم يطفو على بحيرة امتصاصية.

فالواقع الصحي يرثى له حيث شبكات الصرف الصحي الممتدة بين سكان المخيم بشكل مكشوف تبعث على الأسى والمرارة في نفوس السكان، ناهيك عن الروائح الكريهة المنبعثة منها بشكل لا يطاق ويقض مضاجع كل من يسكن بالقرب منها، أما مركزها الصحي فعجز عن تقديم الخدمة الصحية المثلى للسكان بسب نقص كوادره الطبية فيما احتلت البطالة المشهد الأبرز.

البطالة فاقت نسبتها الـ 85% نتيجة عدم توفر فرص عمل لأبناء المخيم بسبب عدم حصولهم على أرقام وطنية على غرار باقي سكان المخيمات لتضاف إلى معاناتهم معاناة أخرى، المخيم يعيش كارثة صحية بسبب شبكات الصرف المكشوفة وما تسببه من أمراض معدية خصوصا بين الأطفال فالمراكز الصحية في المخيم غير مؤهلة بالشكل المناسب لإجراء عمليات جراحية أو خدمة السكان بالشكل المطلوب.

نايف الذي انهى الثانوية العامة في غزة ولم يكمل تعليمه بسبب حاجة العائلة لمعيل لها خلافا لوالده باعتباره الابن الاكبر قال :"نحن متروكين بلا مصير ولا احد يهتم بنا، ربع مليون من اهل غزة في الاردن منهم 50 الف فقط في المخيم، حين سكنا في المخيم انا ووالدي واشقائي كان عددنا 7 افراد، الان انا وحدي صارت عائلتي 100 فرد".

بينما يحظى غيرهم من اللاجئين الفلسطينيين في الأردن بحقوق مواطنة كاملة يبقى الذين هجّروا إلى غزة في عام 1948 ومن ثم إلى الأردن عام 1967 دون التمتع بكامل الحقوق الاجتماعية والمدنية.

اغلب الشباب عاطلون عن العمل وحين يعملون اما في الزراعة او في البناء كعمال، ويضيف ابو جاموس "عملت في مهن كثيرة وتنقلت في بلدان عديدة، دخلت الى الكويت عن طريق العراق عام 1970 تهريب سيرا على الاقدام وعملت هناك سنة واحدة وبعدها عدت الى الاردن، اغلب المهن التي يمكن ان نعمل بها تحتاج الى موافقات امنية ورسمية مسبقة".

وفي مخيم غزة المعروف أيضاً بمخيم جرش يعيش سكانه على مساحة 750 ألف متر مربع، وتعيش النسبة العظمي من السكان (97.19%) دون التمتع بالمواطنة حيث تمتلك إما جواز سفر سنتين (95.8%) أو وثيقة مصرية (1.02%) أو دون أية وثائق (0.37%). وتشكل نسبة اللاجئين المسجلين مع وكالة الغوث ما نسبته 93% من السكان بينما تصنف ما نسبته 7% من السكان "كنازحين" ولا تعتبر هذه المجموعة مستحقة للتمتع بخدمات وكالة الغوث وهي لا تتلقى خدمات من منظمات دولية أخرى. وقد كان لهذا الوضع القانوني والسياسي الخاص تأثيراً على الوضع الاقتصادي والاجتماعي لأبناء المخيم فمثلاً لا يمكن للنسبة العظمى من سكان المخيم الانتخاب أو الحصول على فرص عمل لدى القطاع العام أو تلقي كامل الخدمات التي تقدمها الحكومة الأردنية أو العمل في جميع وظائف القطاع .

صبية يافعة مثل سالمه نايف تمتهن الزراعة مثل باقي سكان المخيم تعاني البطالة فظروف وصعوبة الحياة والعمل تدفعها للوقوف الساعة الرابعة  صباحا مع نساء ورجال المخيم في ساحة متعارف عليها وسط المخيم لانتظار اصحاب المزارع والمشاتل من اجل الاتفاق على العمل، ومرات يفشل عدد كبير في الحصول عليه: "كنت اعمل في المشاتل الزراعية والان عاطلة عن العمل، نعمل فقط في مواسم الحصاد المختلفة من الفجرا حتى الرابعة عصرا".

لا تسهل بعض القوانين والتشريعات المحلية الحياة اليومية بالنسبة لأبناء مخيم غزة أو أمثالهم من المهجرين الفلسطينيين الذين لا يتمتعون بكامل الحقوق المدنية نتيجة لوضع المواطنة الخاص بهم ونتيجة لعدم تطبيق بعض الاستثناءات فيما يتعلق بهذه القوانين والتشريعات كونهم لاجئين لا يتمتعون بأية جنسية ويقيمون في الأردن لأكثر من أربعين عاماً حتى الآن. وتتضمن بعض القيود القانونية منها، لا يمكن الانتخاب، لا يمثلون في البرلمان، لا يمكن الانضمام لأي حزب سياسي

واكتفى محمد وهو عامل يومي بالقول :"نحن في سجن كبير، غير قادرين على الحركة والعمل، العمالة الوافدة تنافسنا حتى على اقل الاجور".

انواع المنع كثيرة فأبناء قطاع غزة ممنوعين من العمل في القطاع العام، لا تمنح لهم مزاولة مهنة طبيب أسنان، مهندس زراعي، محامي، صيدلاني، محاسب قانوني، وفقاً لقرارات من النقابات المهنية وهناك صعوبة في الحصول على مزاولة مهنة للممرضين، لا يمكن تسجيل مشروع (الحصول على سجل تجاري) خارج المخيم (يطلب منهم الحصول على موافقة من رئاسة الوزراء من النادر جداً الحصول عليها).

لا يمكنهم تأسيس أو الانضمام إلى جمعيات تعاونية، لا يمكن العمل في بنوك (يطلب موافقة أمنية لا يحصلون عليها(، لا يمكن العمل في فنادق خمس نجوم أو أربع نجوم بشكل أساسي ويعتبر من الصعوبة العمل في فنادق أقل درجة أيضاً، لا يمكن الحصول على رخصة سواقة عمومي، كما انهم غير مشمولين ببرامج التدريب والتوظيف التي تديرها الحكومة بالتعاون مع مؤسسات دولية أو القطاع الخاص، وصولا الى صعوبة العمل في المدارس الخاصة فهي ايضا تحتاج إلى موافقة أمني.

يجمع سكان مخيم غزة على طبيعة مشاكلهم، التلوث الذي تخلفه مشكلة التصريف الصحي تلتقط الاطفال في الازقة نتيجة عدم وجود مساحات او ملاعب خاصة بهم فهم الاكثر تعرضا لامراض سببها التصريف الصحي المكشوف، فحفيد ام هاني مصاب بجثومة نتيجة التلوث الذي تخلفه المياه الاسنة في الشوارع كما تقول "نحن نعاني من مشاكل لا تعد ولا تحصى، مشكلة التصريف الصحي هي اساس البلاء، نسكن 16 فرد في مساحة ضيقة جدا عبارة عن غرفتين، فالاطفال لا يوجد لهم مساحة يلعبون فيها غير الازقة والجراذين تنتشر في البيوت والزقاق".

فابناء مخيم غزة لا يتمتعون بالتأمين الصحي لتلقي العلاج في المراكز الصحية الحكومية أو المستشفيات (يعامل معاملة الأردني القادر(،تم شمول الأطفال دون سن الستة أعوام مؤخراً بالتأمين.

وتشير ام هاني الى ان النساء في المخيم يعمل الى جانب الرجال في مواسم القطف والحصيدة لاعالة عائلتهن، "اغلب الشباب بلا عمل، وانتشرت ظاهرة الطلاق في المخيم بسبب البطالة وقلة الدخل"، الا ان اكثر ما يشعر ابناء المخيم بالغبن هو الطريقة المذلة التي تتعمد بعض الجمعيات الخيرية توزيع المساعدات عليهم باسلوب غير لائق كما تشير ام هاني.

اما قصة لجان تحسين خدمات المخيمات والتي يتعامل الكثير معها بريبة وازدراء نتيجة سلوك اعضاءها وطريقة تعينهم في تلك اللجان فهي حكاية اخرى ومعاناة تحتاج الى حل كما يصفها نايف "لجنة تحسين خدمات المخيم تساعد وتعمل بطريقة مزاجية ونفعية".

ويستمر مسلسل المنع ومنها منع امتلاك العقارات (أراضي أو أبنية) ، واكتفى ابو رمزي بالقول "اعمل في اي شيء يتوفر، انقل المياه وابيعها الى بيوت وفي مواسم الزراعة والقطاف اعمل مزارع، نعاني من قلة الاهتمام والاهمال، لا يوجد شيء نتسلى به او عليه سوى الجلوس امام ابواب بيوتنا، في انتظار الفرج".