أزعم أن أياماً قليلة فقط تفصلنا عن فضائح مدوّية حول الدور الأميركي في دعم "الإخوان" وعن معرفة أسرار استماتة الأميركان على إخفاء تفاصيل هذا الدور منذ عهد الرئيس بوش الابن وحتى يومنا هذا.
خيوط اللعبة ما زالت متشابكة، إلاّ أن قدوم الأميركان أو استقدامهم لدور "الوساطة" وعلى الرغم من آثاره الجانبية الضارة ساهم بصورة كبيرة في فكفكة هذا التشابك، وبتنا اليوم أقرب من أي وقت مضى لوقائع وحقائق ستكون مذهلة ـ على ما يبدو ـ، وسيكون لها ما بعدها من وقع وتأثير وتفاعل في ديار الأميركان وفي دهاليز وأقبية "الإخوان".
الإدارة الأميركية تعرف حق المعرفة أن الواقع في مصر اليوم هو صراع ما بين إرادة شعب تحظى بدعم وإسناد مؤسسة الدولة والغالبية الساحقة من منظمات المجتمع وما بين جماعة دينية سياسية فقدت كل أو معظم عناصر قوّتها ولم "يتبق" في واقع الأمر سوى ورقة التهديد بالعنف والإرهاب.
دعونا نتأمّل الصورة ونقلب الوقائع من كل جهاتها. هل يوجد حقاً لدى جماعة "الإخوان" سوى خيار التهديد بالعنف والإرهاب؟ فباستثناء "المليونيات" الافتراضية التي تنطلق من "رابعة" وأحياناً من "النهضة" وبعض محاولات التظاهر المتقطعة في بعض المدن المصرية، وباستثناء محاولات استفزاز الجيش والشرطة، واختطاف أفرادهم وبعض المواطنين وتعذيبهم حتى الموت والاعتداء على الأقباط وحرق كنائسهم (عَبر المقاول العسكري للإخوان في تنظيم "القاعدة")، وباستثناء قتل الجنود في سيناء (عَبر المقاول العسكري الآخر من القوى السلفية التكفيرية) وكذلك اختطاف الأيتام لم يُعد أمام الإخوان من خيار سوى العنف والإرهاب.
وسواء كان تكتيك الحكومة المؤقتة صحيحاً أو لا فإن تهافت الأميركان والغرب عموماً على زيارة مصر وتمديد زياراتهم لعدة مرّات قد كشف المستور وينطبق على واقع الحال هنا "رُبّ ضارّة نافعة".
الإدارة الأميركية وبعد الكثير من التردُّد حسمت موقفها عندما صرح وزير خارجيتها بأن الجيش المصري قام بعمل ضروري لتجنيب مصر الدخول في حرب أهلية. لم يرق هذا الموقف لبعض المتطرفين في الإدارة والكونغرس، وحاولوا "إشعال" المسألة من جديد. الإدارة الأميركية لم يرق لها بالمقابل الإعلان عن زيارة عضوي الكونغرس (ماكين وغراهام) المتخصصين بشؤون تأجيج النزاعات الإقليمية وتحويلها إلى حروب تدميرية شاملة ما جعلها وعلى غير المعتاد تعلن أن هذين العضوين لا يمثلان إلاّ نفسيهما في تنويه، لافت للغاية، وبسبب محاولتهما الأكيدة منع الإدارة الأميركية من "الطبطبة" على المستور وإخفاء تفاصيل الصفقة المشبوهة ما بين إدارة أوباما و"الإخوان" في مصر.
الجمهوريون كانوا أقرب إلى موقف الجيش في بداية خلع الرئيس مرسي، وكانت الإدارة أقرب كثيراً إلى موقف الرئيس المخلوع، لكن المواقف انقلبت بعد "تعديل" موقف الإدارة الأميركية في الآونة الأخيرة وهو ما أدّى إلى انقلاب موقف الحزب الجمهوري والذي أدى إلى الاستنجاد بالعجوز ماكين في محاولة أخيرة لتفويت الفرصة على إدارة أوباما من تجاوز أزمة صفقتها مع "الإخوان".
الموقف الأوروبي كما هو معروف امتداد للمواقف الأميركية بأشكالٍ وصيغٍ أوروبية تراعي تشدد اليمين الأوروبي (ألمانيا) وتحفظ بعض الأوساط الرجعية الأوروبية، ولذلك صرّحت السيدة آشتون أن الرئيس المخلوع يعيش عالماً خارج اطار الواقع...؟!
استنجدت الإدارة الأميركية بالعرب فتبرّعت قطر دون أن يُطلب منها هذا "التبرع" واستجابت دولة الإمارات (بُعيد اللقاء بين وزير خارجية الولايات المتحدة ووزير خارجية الإمارات) وذلك لكونها (أي الإمارات) مُقدّّرة عند الحكومة المصرية الجديدة، كما أنها ليست ممانعة للتستر على صفقة "الإخوان" مع الأميركان طالما أن استقرار مصر هو ثمن هذا التدخل. أما قطر (يا عيني) فقد فهمت أن المسألة لم تعد عودة "الشرعية" وإنما عودة "الإخوان" للتواجد في المشهد السياسي كله وحاولت إقناعهم بالتراجع السريع قبل فوات الأوان.
لم يطلب أحد التفاوض مع الرئيس المخلوع باعتبار أن "الإخوان" أنفسهم تخلّوا عنه بالموافقة على التفاوض مع الشاطر، خصوصاً، وأن خيرت الشاطر هو حلقة الوصل الرئيسية في كل الصفقات المشبوهة التي عقدتها الإدارة الأميركية مع "الإخوان".
إذن المسألة ليست مسألة قوة خيرت الشاطر من عدمها وإنما صعوبة أن تتخذ القيادة الإخوانية بل واستحالة اتخاذ أية قرارات من قبل بديع وحجازي البلتاجي والعريان (المتواجدين) في "رابعة" من دون حماية "ملفات" الشاطر.
هذا هو السرّ وهذه هي المسألة.
الأيام القليلة القادمة ستكشف المستور وكلام الرئيس المخلوع للفريق السيسي واضح ولا يقبل التأويل، حيث نقل عن الفريق أن الرئيس المخلوع قال له إن (الأميركان مِشْ حَيْسِيبُوكُو).
الرئيس أوباما أمام ورطة كبيرة تتعلق بتمويل كبير جداً، كما تتعلق بانقلاب كانت تعدّه الإدارة الأميركية ضد الجيش المصري وضدّ الحركة الوطنية المصرية بموافقة "الإخوان" وانخراطهم الكامل واستعدادهم التام لتنفيذه.
وقد يكون أن هذا الانقلاب لم يكن يحظى بموافقة بعض الأوساط في وزارتي الدفاع والخارجية، وهذا هو العنوان الآخر لهذه الورطة الأميركية.
ما تبقّى من حُطام المحافظين الجدد في الولايات المتحدة يعرفون على ما يبدو أدقّ تفاصيل هذه الصفقة وهم متورطون فيها بصورة غير مباشرة وليس أمامهم لاستخدامها ضد الرئيس أوباما غير "إشعال" المعركة في مصر قبل أن تتمكن الإدارة الأميركية من عقد "صفقة" مع الحكومة الانتقالية لتجاوز هذه الفضائح المدوّية.
عندما ألمحت بعض الأوساط الغربية بأن المسألة المصرية الجديدة (دعونا نتذكّر هنا أن المسألة المصرية القديمة كانت موقع ودور مصر بعد الحرب العالمية الأولى وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر) ستطيح برؤوس كبيرة وكثيرة بما فيها بعض الرؤوس الغربية فإن هذه الأوساط لم تكن تضرب لا بالرمل ولا بالمندل. هذه الأوساط تعرف حجم الصفقات وطبيعتها والفضائح التي ستترتب على كشف المستور منها.
الصفقة أيها السيدات والسادة هي تفتيت مصر وتطويف المنطقة وتحويل الدولة في هذه المنطقة إلى دولة دينية أو طائفية أو عرقية (وليس على أساس قومي أو وطني) وبحيث تكون دولة إسرائيل دولة طبيعية في هذا الاطار.
أي بمعنى أن إسرائيل بدلاً من أن تتغيّر وتتكيّف مع واقع المنطقة كي تتمكن من العيش فيها مستقبلا فإن الواقع المحيط بها هو الذي يتغير ويتحوّل كي يصبح على شاكلتها فيحصل الانسجام ما بين الدولة والدين، وبين الدولة والطائفة، وبين الدولة والعرق، وبهذا فقط تسيطر الولايات المتحدة على هذه الدويلات وتنهي الأبعاد الوطنية والقومية للأمة العربية، وتكون إسرائيل ليس فقط دولة طبيعية وإنما الدولة المسيطرة، أيضاً.
لم يكن مشروع "الإخوان" أيها السادة والسيدات سوى الأداة التنفيذية لهذا المشروع في دولة محورية كمصر وهذه هي الصفقة.
لا مجال لإنقاذ "الإخوان" لأن "الإخوان" لا يملكون (على ما يبدو) الرغبة بما سميناه في مقالات سابقة المراجعة والتراجع ولم يعد والحالة هذه أمامهم سوى العنف والإرهاب طالما أنهم ليسوا على استعداد للتعايش مع الوطنية المصرية والقومية العربية. هم ذاهبون بأرجلهم إلى العنف بعد موجات من التشظّي والتفتُّت والانقسام إلى فرقٍ وتيارات وتكتّلات وإنّ غداً لناظره قريب.
فضائح الأمريكان في نصرة الإخوان
تاريخ النشر : 2013-08-09 18:26
