حين تتحرر التربية بالموسيقى للجميع
تاريخ النشر : 2013-08-04 16:59

مفاجأة سارة أسعدتني كثيرا؛ ذلك أن المشهد لم يقتصر على الإيقاع الموسيقي، بل رأيت فيها دلالات رحبة باتجاه تطوير التعليم، بتحريره من ثقل الماضي، وتشجيع النزعة الإنسانية. كيف؟

كنت سأكتب فقط عن الموسيقى في التعليم، ضمن مشروع الموسيقى للجميع الذي ينفذ في جزء من مدارس فلسطين منذ أكثر من عقد من السنوات، لكنني –وقد رأيت ما رأيت من دور تحرري للموسيقى- أحاول ربط تعليم الموسيقى بتطوير التعليم، من خلال فلسفة معينة، تقوم على تحرير الروح والجسد والفكر معا..وهو المؤسس لأي تطوير حقيقي للفكر والثقافة والتربية والتعليم والاجتماع.

وحتى نقعّد الأمور ينبغي وضع إطار أعم من تأثر الموسيقى على الشخصية؛ فالدور التحريري للموسيقى أصلا يأتي في سياق دور الفنون بشكل عام في فتح القلوب والعقول..بالاعتماد على الشعور والتفكير والتأمل والخيال والسرور والمتعة.

لم تتضح الأمور بعد!
إذن لأضع عجلتي مقالي الفكري هذا:

العجلة الأولى: تعريض التربويين لتجربة الموسيقى حسيا، وأثر ذلك على تطوير التربية الموسيقية في المدارس.

العجلة الثانية: مبنية على الأولى، وهي تلاحظ الأثر تربويا، بافتراض شخصي ربما، بأن الفنون ومنها الموسيقى، ذات أثر في إنزال التربوي من برجه العاجي كي يحيا مع الطلبة، ومع الناس، متخلصا من المسافات، ومتخلصا من كل ما هو نمطي وجاهز ومحفوظ (نصوص)؛ يستظهرها الطلبة والمجتمع المعرفي دون أن تؤثر فيه، أو تجذب انتباهه، حيث تبدأ مع رحلة التعليم المرتبط بسياقات الطفل وفكره ومشاعره وميوله وعصره أيضا!

سأرى مجموعة من المشرفين التربويين وقد جلسوا على شكل دائرة، كل يحمل "الطبلة"، آلة الإيقاع الشهيرة، ويعزفون..يطبلون عليها..في حين ارتسمت على محياهم ابتسامة وفرح جميل. وسأبتهج للمشهد بسرعة لأكثر من سبب: لأنهم مبتهجون ومحتفلون، ولأنهم يمارسون الموسيقي مما يعني أنهم سيشجعونها في المدارس خصوصا لتلامذة الصفوف الأربعة الأولى، في مرحلة التعليم المبكّرة، ولأنني شعرت أن هذا الفرح في هذه التجربة سيقود إلى شيء آخر غير الموسيقى، ألا وهو تكوين الشخصية، لديهم ولدى الأطفال. ذلك أن تكوين الشخصية أمر استراتيجي، ما زالت التربية التقليدية تعيد إنتاج نفسها، أي أننا نخرج أنفسنا ولا نخرّج طلبة للمستقبل ولا حتى للحياة..كما ينبغي، أول فإن الخريجين من المدارس خاصة والجامعات عامة يكونوا منقوصي الشخصية، أي شبه مستنسخين عن المعلمين والمدرسين.

وما الحداثة إلا في تخليص الجيل الجديد من الأجيال القديمة وثقافاتها ومحفوظاتها التي لا تعني للجيل الجديد سوى القليل..ودوما سيحضرنا قول الإمام علي: أولادكم خلقوا لزمان غير زمانكم فلا تقصروهم على عاداتكم " ، وهي تنسب أيضا لعمر رضي الله عنه. وقد وردت بعدة صيغ، منها: لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم، (أو على تربيتكم) فأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم، و"لاتجبروا أولادكم على عاداتكم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم" ...الخ. ولعلنا دوما نتذكر جبران حين قال في كتابه الشهير "النبي" عن الأبناء: أولادكم ليسوا لكم أولادكم أبناء الحياة، والحياة لا تقيم في منازل الأمس. وقد منحته فيروز صوتها حين غنّت هذا المقطع في أغنيتها التي اقتبست فيها عدة فقرات من الكتاب..

بدأت الأمور بالاتضاح..لعل وعسى!
هنا نحن بإزاء هدف مباشر له علاقة بتعليم الموسيقى، وهدف غير مباشر يرتبط بتأثير الموسيقى (والفنون) على تحرر الدرس التربوي.
الهدف المباشر خاص بتطوير الموسيقى في المدارس، فبعد رحلة التدريب التي قامت فيها مؤسسة صابرين للتطوير الفني، لمعلمي الموسيقى، ولمعلمي المرحلة، من الأول للرابع، وهي الصفوف التي يصلح فيها عقد دروس تكاملية بين المواد يمكن دمجها بالموسيقى، ثم لمشرفي الموسيقى في مديريات التربية والتعليم، جاءت مرحلة جديدة، وهي تعريض المشرفين التربويين للتدريبات الموسيقية، بهدف أن يكونوا على اطلاع وخبرة بالموسيقى حين يقومون بالتوجيه والإشراف على معلمي ومعلمات المرحلة، كون هؤلاء المعلمين والمعلمات تعرضوا للتدريب الموسيقي ويستخدمون معارفهم ومهاراتهم المكتسبة داخل الصفوف، في تعليم الموسيقى.

وقياس تحقق هذا الهدف يمكن من خلال متابعة المشرفين في إشرافهم وتوجيههم في المدارس، للصفوف الأولى من الأول حتى الرابع، حيث يتوقع إيجاد لغة مشتركة بين معلمي المرحلة وبين مشرفي المرحلة، ويكون المشرف قادرا على تقييم الأداء وتوجيهه، والتعاون أيضا.

أما الهدف غير المباشر، وهو تأثير الموسيقى (والفنون والثقافة والفكر) بشكل عام على التربية والتعليم، فهو يحتاج لوقت أكبر بكثير من وقت الهدف المباشر الأول، لأنه له علاقة بتشكل الوعي، والذي يمرّ بمراحل تبدأ من الصدمة، إلى التغير النفسي، والبحث والتفكير، ثم بعد ذلك التغيير الفكري، على مستوى الأفكار والأساليب والقيم. فليس سهلا على الإنسان أن يتغير..بل هناك دوما مقاومة للتغيير..ذلك أن البشر يألفون ما ورثوا، واستراحوا لذلك، وصاروا زاهدين بالتجديد إلا من فئة صغيرة تتمرد على المحاكاة لما هو جاهز، ولما صنع لزمان قبلهم.

وقياس الهدف غير المباشر مرتبط بتحققه أصلا، فقد يتحقق وقد لا يتحقق..وفي حالتنا، وحتى يتحقق، فنحن في المجتمع التربوي-الثقافي-الفني-الأكاديمي، بحاجة لثورة هادئة متزنة، يتعاون فيه التربويون مع المفكرون والفنانون، وكل من خلص من التقليد واتبع التحديث بنزعة إنسانية (ومحلية ووطنية وقومية)، ذلك إن تركنا التربية للتربويين فقط، فيسظل أسلوب إعادة إنتاج القديم موجودا، ولن تكون المخرجات من التعليمين العام والعالي قادرة على الاشتباك مع الحياة المعاصرة وما فيها من تحديات. وهذا بيت قصيد تحديث التعليم، وليس بوضع مناهج فيها معلومات حديثة يتم تدريسها بأسلوب تقليدي.

الموسيقى والفنون هي المفتاح، أو قل مفتاح من المفاتيح، وبها يتم تفكيك البنى التقليدية لا لنفيها ولكن للبناء عليها..وهذه هي الحضارة..
لذلك أسعدني مشهد المشرفين والمشرفات وهم يطبلون..معا، وأسعدني أكثر تأمل هذا المشهد والتفكير فيه..ولعل كل منا يتذكر نفسه، وكيف تغير بالفنون والأدب..وكيف اتسع صدره وعقله..وكيف تحرر جسده وروحه..فالفنون والأدب سفر للإنسان خارج ما هو عادي وممل ومألوف، حتى تصير حياتنا أجمل، ثم لنقبل عليها وعلى التعليم بشهية أفضل..

وأسعدني أيضا استمرار التعاون بين وزارة التربية والتعليم العالي مع مؤسسة صابرين للتطوير الفني، من خلال عقد اتفاقية حول التربية الموسيقية مؤخرا في سياق برنامج الموسيقى للجميع، بمشاركة معهد نرويجي عريق هو معهد ريكونسيرتنه. ولنا أن نأمل في الفترة القادمة أن يدلي الموسيقيون والتربويون بآرائهم في الموضوع بعمق أكثر، لأننا ربما سيصعب علينا النهوض بالموسيقى في المدارس، إن لم تنهض الموسيقى لتشارك في تحرير التربية والتعليم، بالتعاون مع عناصر أخرى للتحرير كالتفكير والثقافة والتعاون مع قطاعات المجتمع.

دندنوا وغنوا وارقصوا ثم فكروا..فقط لنجرب معا..لن نخسر شيئا، وسنكسب متعة أن يحبنا الأطفال..وأن يقبلوا علينا بقلوبهم وأفكارهم..