يوميات اسير فلسطيني: رحلة مجانية .. قهرتني وأحببتها
تاريخ النشر : 2013-07-31 06:18

المكان: وطني المسلوب

الزمان: عصور بأكملها لملمت أشواكها ورقدت في القلب كالجمرة 

قبل خمسين عاما من الحزن ،،، أي ما يقارب عقد من حساباتنا ،، سلخ العدو جسدي نصفين ،،، نصف حمل القضية في زوايا السجون ،، والنصف الثاني راح يبحث ،، عبثا ،، عن نصفه الآخر .......

كنتُ حينها برعم في أدراج المدرسة ،، وتسير بنا الايام بطيئة سريعة ،،، تحمل في طياتها زخات من المواجع والانين 

وما هي إلا بضع سنين ،،، ألحق نصفي الآخر (( أخي سامي ))) إلى رحم المعاناة ،، وبعد عناء شديد في مراوغة إدارة السجون ،، سمحوا لي بزيارة أخي سامي ،،،،
وأخيرا سيلتحم النصفان ،،،،،

مع الساعة السادسة من صباح يوم بارد ،،، لملمت أشيائي وخرجت مكبلا من سجن (( مجدو)) حيث أنا إلى سجن ((هشرون)) حيث أخي ،،، 

(( نحشون )) وهو جهاز امني اسرائيلي ، مهمته نقل الاسرى من مقصلة إلى مقصلة ،،، استلمنا هذا الجهاز من صقيع زنزانة الانتظار وسار بنا ، ونحن جالسين على مقاعد الحديد وفي ايدينا وارجلنا اساور الحديد ،، وحولنا حراس منتشرون قلوبهم حديد ،،،، يبدو انه يوم الحديد العالمي ..

كانت البوسطة ((وهو اسم يطلق على الحافلة التي نركبها اثناء التنقل بين السجون )) مكتظة بنماذج وعينات يتفطر له القلب ،، هذا ذاهبٌ للمحكمة وذاك مثلي لزيارة اسير شقيق ، وغيره يحمل اوجاعه لمشفى الرملة (( وهو مشفى خاص للأسرى )) حيث لا يزور هذا المشفى إلا من تغذى عليه المرض شهور وسنين ،،،

نتبادل القبلات والاحزان ونمضي ......

محطتنا الاولى كانت في سجن جلبوع ،،، ودعنا قسم وعانقنا آخر ،، ومررنا في طريقنا بسجن شطة والجلمة وتلموند وهدريم والدامون .وغيرها الكثير الكثير ........باختصار شديد اصطحبنا الالم لأغلب مناطق الوطن المسلوب ،، هنا الساحل المذبوح وهناك اغوار الكرامة وهذجبال حيفا تراقب الموج عن كثب 

للمرة الاولى يغادر اخي من مخيلتي ويسكنها وجع المكان الذي يمتد من مدخل جرحي إلى ما لانهاية .....

وبين وجع المكان وسطوة الزمان هاجمتنا قسوة السجان ،، رفضوا ان ندخن سيجارة فالماء والطعام وممارسة الحنين إلى الوطن ممنوعة مع هذا الجهاز الإسرائيلي القذر ...

بعد ساعات وسويعات طوال،، وصلتُ محطتي الأخيرة ،،، وبدأ العناق (((( فتشت جميع القواميس في كل اللغات بحثا عن حروف تسعفني لوصف العناق الذي أذاب السلاسل فما وجدت ،،، 

اختلطت دموع الحنين ساعتين فقط .. وعاودت بعدها مزاولة الحزن والنقمة في إحدى الزنازين القريبة 

في الزنزانة كنت تسلية لمملكة ذباب بأكملها ،، ووجبة شهية لصقيع السجن

وفي اليوم التالي ،،، استلم جهاز النحشون عهدته من ادارة سجن هشرون وعاد بها إلى إدارة سجن مجدو دون جروح ظاهرة للعيان