قرار وزاري.. ومتقاعدو غزة يواجهون استثناءً قاسيًا!
تاريخ النشر : 2026-10-08 13:19

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

انشرحت أسارير محمد أبو مصطفى حين توارد إلى مسامعه خبر القرار القاضي بتغطية نصف قيمة الأقساط الجامعية من واقع مستحقات الموظفين؛ إذ تخيل للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أن جزءًا من الأعباء الثقيلة التي ترهق كاهله في طريقها إلى الانفراج.

يكدّ أبو مصطفى لتأمين القوت اليومي لابنيه اللذين يرتادان جامعتين مختلفين، في وقت بالكاد يكفي فيه دخله المحدود لسد رمق الأسرة وشؤونها الأساسية، لتغدو الرسوم الجامعية جرحًا غائرًا يُضاف إلى قائمة طويلة من الالتزامات المؤرقة.

الفكرة انكسرت على صخرة الاستثناء، حين اكتشف أبو مصطفى أن القرار يطرد المتقاعدين خارج مظلته، رغم احتجاز مستحقاتهم المالية لدى وزارة المالية.

غير أن تلك الفرحة العابرة ما لبثت أن انكسرت على صخرة الاستثناء، حين اكتشف أبو مصطفى أن القرار يطرد المتقاعدين خارج مظلته، رغم احتجاز مستحقاتهم المالية لدى وزارة المالية، ورغم أن أبناءهم ما يزالون يرافقون مقاعد الدراسة، ورسالتهم الأسرية لم تبلغ منتهاها بانتهاء سنوات الخدمة.

وكانت وزارة التربية والتعليم العالي قد أعلنت، في الثاني والعشرين من سبتمبر 2026م، عن فتح باب التقديم لتسديد الأقساط الجامعية لأبناء موظفي المحافظات الجنوبية (قطاع غزة) المدنيين، ومنتسبي القوى والأجهزة الأمنية، اقتطاعًا من مستحقاتهم المحتجزة، إلا أن الوزارة عادت لتحدد الفئات المستهدفة بالموظفين القائمين على رأس عملهم حصرًا، مع اقتصار الاستفادة على ابن واحد في مرحلتي الدبلوم المتوسط أو البكالوريوس، أو استفادة الموظف نفسه في مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا، بنسبة تغطية تبلغ 50% من قسط الفصل الدراسي الأول للعام 2026/2027.

بالنسبة لأبي مصطفى، لم يكن هذا الاستبعاد مجرد تفصيل إداري عابر، بل ضربة في صميم قدرته المالية، فتوفير الرسوم الجامعية لولدين إلى جانب تكاليف المعيشة الباهظة بات يربك حسابات العائلة ويفوق طاقتها الاستيعابية.

ويعبر بمرارة عن وقع القرار الذي نزل كالصاعقة على قلوب المتقاعدين، مؤكداً أن واجبه الأبوي والتربوي تجاه أبنائه لم يتوقف بمجرد طي صفحة العمل الوظيفي.

ولا تقف المعاناة عند حدود أروقة الجامعة، إذ اضطر بعض المتقاعدين إلى الاستدانة والاقتراض لضمان مقعد تعليمي لأبنائهم، لتلتهم أقساط الديون جزءًا معتبرًا من دخلهم المتآكل أصلًا، بينما يقف آخرون أمام خيارات أكثر قسوة وحسرة، تتمثل في إرغام أحد الأبناء على التوقف عن الدراسة.

أُحيل شادي إلى التقاعد وهو لم يزل في منتصف ثلاثينياته، حين كان أطفاله يخطون خطواتهم الأولى، ما يعني أن سنوات خدمته انقضت في وقت كانت فيه المسؤوليات الأسرية في بؤرة تكونها.

وعلى الجانب الآخر، تبرز قصة شادي الذي اكتفى بذكر اسمه الأول، لتجسد واقعًا يسبق وصول الأبناء إلى الجامعة بسنوات، فقد أُحيل إلى التقاعد وهو لم يزل في منتصف ثلاثينياته، حين كان أطفاله يخطون خطواتهم الأولى، ما يعني أن سنوات خدمته انقضت في وقت كانت فيه المسؤوليات الأسرية في بؤرة تكونها.

يقول بنبرة ملؤها التساؤل: "أُحلتُ إلى التقاعد وعمري لم يتجاوز ستة وثلاثين عامًا، وكان أبنائي حينها صغارًا". ويلفت إلى أن الأبناء كبروا وانتقلوا بين المراحل التعليمية وصولاً إلى المحراب الجامعي، بينما ظل دخل العائلة مأسوراً بحدود رواتب التقاعد المحدودة.

بالنسبة إليه، لم يكن التقاعد محطة لراحة البال، بل بداية لمرحلة تتسع فيها احتياجات الأسرة وتتعاظم متطلباتها، في حين لم يطرأ أي تحسن على مصدر الدخل يستجيب لهذه الزيادة المضطردة.

ويرى شادي أن التقاعد لا ينبغي أن يكون ذريعة لإسقاط حق الأبناء في الاستفادة من جُهد آبائهم ومستحقاتهم، مستغربًا الفجوة التي أحدثها القرار بين موظف ما يزال في الخدمة وآخر أفنى سنوات عمره قبل أن يُحال إلى التقاعد في سن مبكرة.

"لقد خدمت وطني تمامًا كما يخدمه الموظف الحالي، والفرق الوحيد أنني أصبحت متقاعدًا، وهذا لا يعني إطلاقًا أن التزاماتي النبيلة تجاه أبنائي قد انقضت".

ويضيف: "لقد خدمت وطني تمامًا كما يخدمه الموظف الحالي، والفرق الوحيد أنني أصبحت متقاعدًا، وهذا لا يعني إطلاقًا أن التزاماتي النبيلة تجاه أبنائي قد انقضت".

ولا ينظر المتقاعدون إلى هذه المنحة بوصفها امتيازًا أو هبة طارئة، بقدر ما يرونها قناة مشروعة للاستفادة من مستحقاتهم المالية المحتجزة، التي يرون أن أبناءهم هم الأحسن حظًا بها في ظل كلفة التعليم المرتفعة.

ويتساءل أبو مصطفى مستنكرًا: "إن كان الموظف على رأس عمله يمتلك حق الاستفادة من خصم نصف الرسوم الجامعية لأبنائه، فما الذي يحرم المتقاعد من الحق ذاته؟".

وبينما صُممت المنحة في أصلها لتخفيف الوطأة المالية عن الموظفين وضمان مقاعد أبنائهم الدراسية، يجد المتقاعدون أنفسهم مطرودين خارج هذه المظلة، على الرغم من أن بعضهم أُحيل قسرًا أو مبكرًا إلى التقاعد قبل أن تصل احتياجات أبنائهم إلى ذروتها الإنفاقية.

إن حاجات الأبناء إلى التعليم لم تتلاشَ بصدور قرار التقاعد، غير أن التنظيم الحالي فرّق بين الفئتين وترك أبناء المتقاعدين يعانون الضياع الترفيهي والأكاديمي، لذا يطالب المتقاعدون بتوسيع رقعة الاستفادة لتشمل أبناءهم، وألا تتحول نهاية الخدمة الوظيفية إلى عقوبة تحرمهم من استثمار مستحقاتهم المالية في تسديد فاتورة تعليم أبنائهم.