غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بدلًا من أن تدور ماكينة شعبان طبش لتخيط أطراف قميصٍ أو بنطال، تدور اليوم بدواسة دراجة هوائية، وتمرّ تحت إبرتها قطعٌ من شوادر ممزقة وأغطية خيام مهترئة ثقبتها سنين الحرب.
في خان يونس، جنوبي قطاع غزة، لم تعد ماكينة الخياطة التي كان الرجل يعمل عليها قبل حرب الإبادة الإسرائيلية مخصصة للملابس، فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، تحولت إلى أداة لترميم ما تبقى من خيام النازحين، وإطالة عمر أقمشتها أيامًا أخرى، لعلها تصمد أمام المطر والبرد.
يحضر أصحاب الخيام شوادرهم المهترئة إلى طبش، فيجمع أطرافها ويرقع ثقوبها بما يتوفر لديه، مقابل 10 إلى 15 شيكلًا.
يحضر أصحاب الخيام شوادرهم المهترئة إلى طبش، فيجمع أطرافها ويرقع ثقوبها بما يتوفر لديه، مقابل 10 إلى 15 شيكلًا.
أما شراء شادر جديد، فيكلف نحو 250 شيكلًا، أي ما يقارب 100 دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات النازحة.
يقول طبش: "غالبية السكان يعيشون في خيام ذائبة، لم تعد الشوادر التي تحميهم صالحة للاستخدام، فيما لا يملكون بديلًا عنها مع اقتراب الشتاء".
ولا تقتصر الحاجة إلى عمله على أصحاب الخيام، فحتى من اختاروا البقاء في بقايا منازلهم المدمرة، يستصلحون الشوادر لاستخدامها بدل الجدران التي هدمتها الحرب، فيسدون بها فتحات البيوت ويحاولون حماية ما تبقى من ممتلكاتهم.
ويضيف: "قبل الحرب كنا نحيك الملابس، بناطيل وقمصان، وكنا في وضع مادي ومعيشي جيد، لكن منذ بدء الحرب أصبحنا نخيط الشوادر والرقع للخيام التي يسكن خلفها أصحاب قصص تدمي القلوب".
انتشل طبش ماكينة الخياطة من بين الركام، لكنه لم يستطع إعادتها إلى العمل بالطريقة التي اعتادها. لا كهرباء لتشغيلها، ولا طاقة شمسية متاحة، فوجد في الدراجة الهوائية حلًا بديلًا، يدير بدواستها الماكينة يدويًا، ويتشارك استخدامها مع ثلاثة أشخاص آخرين.
ومن التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً، تتواصل حركة الدواسة والإبرة، في محاولة لترميم ما يمكن ترميمه من أقمشة تحولت، في حياة النازحين، إلى جدران وأسقف مؤقتة.
يعلق علي طبش، مساعد شعبان بقوله: "نعمل يوميًا في حياكة الشوادر للخيام، بينما الناس تعيش على الأرصفة وبالطرقات، وكل ما تجده فقط قطع القماش هذه والشوادر، وهي الخيار الأخير لحمايتهم من البرد والمطر".
"نحاول مساعدة الناس قدر الإمكان، مقابل فتات، تقديرًا لوضعهم المعيشي، وكذلك في سبيل البحث عن أي فرصة يمكن أن تجعلني أعيل أسرتي أيضًا".
ولا تبدو أجرة التصليح، التي يحاولان إبقاءها في حدود قدرة النازحين، كافية لتعويض ساعات العمل أو كلفة المواد، لكنها بالنسبة لهما محاولة للجمع بين حاجتين: مساعدة من لا يملكون ثمن شادر جديد، وتأمين دخلٍ يساعدهما على إعالة أسرتيهما.
يزيد: "نحاول مساعدة الناس قدر الإمكان، مقابل فتات، تقديرًا لوضعهم المعيشي، وكذلك في سبيل البحث عن أي فرصة يمكن أن تجعلني أعيل أسرتي أيضًا".
ويكمل: "العمل مستمر رغم أن الناس لا تجد ما تأكل في ظل استمرار الحرب"، ولذلك يحاول الاثنان ألا يتحول إصلاح الخيمة إلى عبء جديد على من يعيشون أصلًا على هامش القدرة على البقاء.
ما يمر تحت إبرة ماكينة طبش ليس مجرد قماش ممزق. فمع اتساع الدمار، صار الشادر بالنسبة إلى آلاف العائلات بديلًا عن سقف أو جدار، وحاجزًا هشًا بينها وبين المطر والبرد.
وفي 13 أغسطس/آب الماضي، قالت وزارة التنمية الاجتماعية، في بيان، "إن أكثر من 90 بالمئة من الفلسطينيين في قطاع غزة يعيشون في خيام مهترئة أو مراكز إيواء أو بين أنقاض منازل دمرتها إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023".
وحذر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من تدهور أوضاع مئات الآلاف من النازحين مع اقتراب فصل الشتاء، مشيرًا إلى أن أكثر من 60 بالمئة من خيام النازحين مهترئة وبحاجة إلى استبدال فوري.
وقال مدير عام المكتب، إسماعيل الثوابتة: "إن حصرًا ميدانيًا لواقع مخيمات النزوح أظهر أن 162 ألف خيمة أصبحت مهترئة وخرجت عن الخدمة من أصل 270 ألف خيمة تؤوي العائلات النازحة في مختلف محافظات القطاع".
وبحسب الثوابتة، لم تعد هذه الخيام قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية أمام الرياح والأمطار وبرد الشتاء، ما يعرّض الأطفال والنساء والمرضى لمخاطر كبيرة.
