غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كانت نور الأشقر (14 عامًا)، تجمع الحطب حين أصابها القصف، لتفقد ساقها وتبدأ رحلة جديدة مع الحركة بعد البتر.
لا تتذكر نور تفاصيل طفولتها بقدر ما بقيت في ذاكرتها خطواتها الأولى بعد الإصابة.. كانت تمشي ببطء شديد، حتى أنها احتاجت في البداية إلى نحو نصف ساعة لقطع متر واحد، قبل أن تتعلم تدريجيًا استخدام العكاز.

ولم يكن التغيير في جسدها وحده. تقول: "في البداية كنت أخجل من الخروج، وأشعر بأنني مختلفة عن الآخرين.. كنت أحس حالي ناقصة عن كل البلد".
لكن وجودها في مؤسسة "هيل بالِستاين Heal Palestine"، ولقاءها بأطفال آخرين فقدوا أطرافًا من أجسادهم، ساعداها على تجاوز شعورها بأنها وحدها في هذه التجربة.
مع كرة القدم، بدأت نور تستعيد ثقتها بنفسها. كانت تخاف في البداية من السقوط، لكنها شجعت نفسها على اللعب، حتى أصبحت تمارس رياضة لم تكن تظن أنها قادرة عليها، وتخبرنا: "مزيد من التدريب سيجعلني أحسن وأكثر شجاعة".
في جنوبي قطاع غزة، لم تعد كرة القدم والسباحة بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال مجرد أنشطة ترفيهية، بل أصبحتا جزءًا من محاولاتهم للتكيف مع أجساد تغيرت بفعل الحرب، واستعادة قدرتهم على الحركة واللعب..

أسد الميدنة أيضًا، كان يجلس مع أصدقائه عند باب المخيم حين باغتهم القصف، ليجد نفسه بعد لحظات في المستشفى وقد فقد يده اليسرى.
يتذكر ابن العشرة أعوام، اللحظة التي رأى فيها يده المبتورة للمرة الأولى، يقول: "صرت أعيط كتير".
بعدها، أصبح يخجل من الخروج ويختبئ داخل الخيمة حتى لا يراه أحد. لكن وجوده في المؤسسة منحه مساحة للقاء أطفال يمرون بتجارب مشابهة، والمشاركة في أنشطة أعادته تدريجيًا إلى ما يحبّه الأطفال "اللعب".
بحماس واضح، يتحدث أسد عن السباحة وكرة القدم اللتين تعلمهما هناك، وعن فرحته بكل تدريب جديد.
صار يقول بثقة " أنا أستطيع السباحة، وأستطيع تعليم غيري أيضًا".

أما يوسف، فلم تُبتر ساقه مباشرة بعد إصابته. انتظر أسبوعين قبل أن يتخذ الأطباء قرار البتر، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من حياته، عليه فيها أن يتعلم فيها كيف يتحرك بجسد لم يعد كما كان..
يتذكر يوسف أول مرة ذهب فيها إلى المسبح، وكيف كان الأمر جديدًا عليه، قبل أن يجد في السباحة وكرة القدم مساحة لتفريغ طاقته واختبار قدرته على الحركة من جديد.
في الملعب والماء، اكتشف يوسف أنه لا يزال قادرًا على الجري واللعب والسباحة، رغم فقدانه ساقه.
وخلف هذه التحولات، تعمل الأخصائية النفسية سيرين ريحان إلى جانب فريق الدعم النفسي في المؤسسة، لمساندة الأطفال المبتورين في التعامل مع آثار الإصابة والتكيف مع أجسادهم الجديدة.

وتقول لـ"نوى": "بعض الأطفال كانوا في البداية يرفضون الدخول إلى المؤسسة ويبكون، فيما اختار آخرون البقاء داخل الخيمة خوفًا من نظرات الناس. لذلك، لم تقتصر المساعدة على تعليمهم السباحة أو كرة القدم، بل بدأت من توفير مساحة يشعرون فيها بالأمان، ويلتقون بأطفال يعيشون تجربة مشابهة".
ومع جلسات الدعم النفسي الفردية والجماعية، إلى جانب الأنشطة الرياضية، بدأ الأطفال يتجاوزون الخوف ويتعاملون تدريجيًا مع أجسادهم الجديدة بوصفها قادرة على الحركة واللعب.
وبينما يحاول الأطفال استعادة ما يستطيعون من حياتهم، يجمعهم حلم آخر.. الحصول على أطراف صناعية تعيد إليهم جزءًا من قدرتهم على الحركة.
قد يبدو الحلم بسيطًا، لكنه بالنسبة إليهم يعني أكثر من طرف صناعي.. يعني أن يركضوا ويسبحوا ويلعبوا، وأن يتعاملوا مع أنفسهم كأطفال قادرين على مواصلة حياتهم، لا كأجساد تختصرها الإصابة.
