خبز "الغذاء العالمي" في "كرش" السوق السوداء.. تتبعٌ يكشف الطريق
تاريخ النشر : 2026-09-29 10:03

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عند الخامسة والنصف صباحًا، يخرج علي محمد من خيمته في مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، مرتديًا ملابسه وحذاءه، ويقطع أكثر من نصف كيلومتر ليحجز لنفسه مكانًا متقدمًا في طابور يضم أكثر من 100 شخص، ينتظرون وصول شاحنة الخبز المدعوم من برنامج الأغذية العالمي.

يحمل علي، البالغ من العمر (13 عامًا)، مهمةً لا يُفترض أن يحملها طفل في مثل سنه، فمنذ استشهاد والده خلال الحرب، ترسله والدته بشكلٍ شبه يومي لشراء ربطة الخبز التي تزن كيلوين، بسعر 3 شواكل، لأسرة مكونة من خمسة أفراد.

الطفل علي: أصطف بالطابور لساعات يوميًا وأحيانًا أعود بلا خبز

لكن وصول علي إلى الطابور لا يعني بالضرورة عودته بالخبز، فبمجرد وصول الشاحنة، تتحول نقطة التوزيع إلى ساحة من التزاحم والفوضى، ويندفع المتجمعون للحصول على الربطات قبل نفادها.

وفي مرات عدة، وصل الدور إلى علي ليجد أن الخبز قد نفد، رغم أنه من سكان المنطقة نفسها، فيعود إلى خيمته خالي الوفاض، أو يضطر إلى شراء الربطة من الباعة بـ(6) إلى (8) شواكل.

وعلي ليس حالة فردية، فقد أكد (39.7%) ممن شملتهم استبانة وزّعها معدا التحقيق، أنهم واجهوا المشكلة نفسها: نفاد الخبز قبل وصول دورهم.

لكن تتبع ما يحدث داخل نقاط البيع كشف أن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية الخبز المتاحة، بل بثغرة في آلية التوزيع تتيح لبعض الأشخاص الحصول على الربطة أكثر من مرة، ثم نقلها إلى السوق السوداء وبيعها بضعف السعر.

من الطابور إلى المفترق

رافق معدا التحقيق علي إلى نقطة التوزيع في مواصي خانيونس، ولاحظا تكرار الأشخاص أنفسهم، وبينهم أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 15 عامًا، في الطابور أكثر من مرة.

كان بعضهم يحصل على عدة ربطات، وصلت في حالات إلى (15) ربطة، ثم يحملونها إلى منطقة "الكنيس" في شارع العطار، على بعد أمتار من نقطة التوزيع، حيث يتحول الخبز المدعوم إلى سلعة تباع بأسعار مضاعفة.

وبمتوسط (10) ربطات يحصل عليها بعض هؤلاء، فإن عشرات الأسر تُحرم من شراء الخبز بالسعر المدعوم، وتضطر إلى اللجوء إلى السوق السوداء.

وعلى مدار (20) يومًا، رصد معدا التحقيق أسعار الخبز في المفترقات، فبدأت من (5) ووصلت إلى (8) شواكل، فيما كشفت استبانة إلكترونية وزعاها عبر مجموعات "واتساب" اجتماعية وإعلامية متخصصة في نشر أخبار المساعدات، فجوةً بين حجم الإنتاج المعلن وبين انتظام وصول الخبز إلى الأسر.

ووفق نتائج الاستبانة التي قام بتعبئتها (350) مستفيدًا ورب أسرة في غزة والنصيرات ودير البلح وخانيونس، بالتوازي مع زيارات ميدانية، فإن (29.6%) من الأسر تشترى الربطة بـ(6) شواكل، أي ضعف السعر المدعوم.

لكن كيف يحصل الباعة على هذه الكميات؟ الإجابة جاءت من أحدهم..

"روحي" والطابور المتكرر

بعد أيامٍ من البحث، قابل معدا التحقيق الفتى روحي "ع"، البالغ من العمر (17 عامًا)، الذي كشف لهما آلية حصوله على (7) إلى (11) ربطة خبز يوميًا وإعادة بيعها.

يخبرنا روحي أنه يقف في نقطة البيع منذ السادسة صباحًا وحتى انتهاء التوزيع، فيستلم ربطة، ثم يعود إلى الطابور ويأخذ بطاقةً أخرى ليستلم ربطة جديدة، ويكرر العملية مرات عدة.

الطفل روحي: أكرر دوري فأجمع رزمًا كثيرة لغرض البيع.. أحيانًا أغير ملابسي للتمويه.

"نشتري من الطابور المخصص للكاش، ثم ننتقل إلى التطبيق، وهكذا"، يقول، موضحًا أنهم يبيعون الربطة بـ(7) شواكل عبر التطبيق، و(6) شواكل نقدًا، رغم أن سعرها المحدد من البرنامج هو (3) شواكل فقط.

ولا يقتصر الأمر على نقطةٍ واحدة، إذ ينتشر روحي مع أصدقائه وأقاربه في أكثر من نقطة توزيع، بهدف جمع أكبر كمية ممكنة من الخبز وبيعها في السوق.

وفي مدينة غزة، رصد الصحفيان نمطًا مشابهًا: طفلٌ يزاحم على الطابور، ثم يسلّم الربطات إلى طفلٍ آخر شريك له، فيضعها داخل كيس دقيق، وبعد أن اكتشف البائع الأمر ومنعه من الاستلام، لجأ إلى شراء الخبز من المستفيدين بـ(5) شواكل للربطة، وبعد امتلاء كيس كان قد أعده مسبقًا بنحو (15) ربطة، غادر الطفلان المنطقة باتجاه السوق لبيعها بسعر أعلى.

هذه الوقائع تضع سؤال الرقابة في قلب القضية: إذا كانت الكمية تخرج من المخبز وتصل إلى نقطة التوزيع، فمن يتابع إلى أين تذهب بعد ذلك؟

أين تتوقف الرقابة؟

بحسب تقرير للأمم المتحدة صادر في 23 يوليو/تموز 2026م، تدعم الجهات الإنسانية حاليًا إنتاج نحو 300 طن من الخبز يوميًا، بما يغطي قرابة (36%) من الاحتياجات الغذائية المقدرة في قطاع غزة.

ووفق التقرير، ينتج 28 مخبزًا مدعومًا نحو 110 آلاف رزمة يوميًا، وزن كل منها كيلوغرامين، بينما يُباع نحو (80%) من هذه الكمية عبر أكثر من 150 تاجرًا متعاقدًا بسعر مدعوم يبلغ 3 شواكل، أي (0.93) دولار أمريكي، فيما توزع الـ20% المتبقية مجانًا على نحو 320 مركز إيواء وموقعًا مجتمعيًا.

الاستبانة كشفت فجوة بين حجم الإنتاج وانتظام وصول الخبز إلى العائلات في قطاع غزة، فــ(5.71%) فقط من المشاركين قالوا إنهم حصلوا على الخبز 7 مرات أسبوعيًا خلال الأسبوع السابق لتعبئة الاستبانة، ولفهم هذه الفجوة، تتبع معدا التحقيق سلسلة توريد الخبز من المخبز حتى نقطة البيع.

أحد أعضاء الهيئة الإدارية في أحد المخابز، ورفض الكشف عن اسمه أو اسم المخبز، قال: "المخابز تتلقى الدقيق والسولار مقابل إنتاج كمية محددة، ثم تسلم الخبز صباحًا إلى نقاط التوزيع بحضور مراقب من البرنامج لإحصاء العدد، بهدف منع السرقة والتلاعب بالكميات.

وأكدت إحدى نقاط التوزيع المتعاقدة مع البرنامج أنها ترسل رسالة إلى المنظمة تتضمن عدد الرزم التي تستلمها يوميًا من المخبز، لكنها رفضت تقديم إثبات على ذلك.

هنا، يبدو أن الرقابة موجودة عند نقطة التسليم، لكنها لا تمتد بالقدر نفسه إلى ما يحدث بعده. فبحسب (78.6%) من المشاركين في الاستبانة، لا يتم تسجيل أسمائهم عند استلام الخبز، في حين قال (70%) منهم إنه "لا توجد آلية للتحقق من حصول الشخص نفسه على الخبز من نقطة أخرى في اليوم ذاته"، بينما أكد (65.1%) أن النظام الحالي غير قادر إطلاقًا على منع الازدواجية.

وفي المقابل، أكد (60%) أنهم شاهدوا أشخاصًا يشترون الخبز بشكل متكرر. "روحي" نفسه أكد أن تكرار الاستلام لا يتطلب سوى تغيير المظهر أحيانًا، "إذا شعر البائع أنه حفظني، أخرج قبعة وأرتديها وأعود إلى المكان نفسه" يضيف.

كما أفاد المشتركون بأن مفتشي برنامج الأغذية العالمي يتواجدون في بعض نقاط البيع ليومين فقط في الأسبوع، وبصورةٍ غير مستمرة.

أسر تبحث عن ربطة.. وسوق يرفع السعر

أم محمد شبات واحدة من المتضررات، وهي ضمن (84.6%) من المشاركين الذين أكدوا لـ"نوى" أنهم اشتروا الخبز بسعرٍ أعلى من 3 شواكل من مصدر غير متعاقد.

قد يمر أسبوع كامل دون أن تتمكن السيدة الستينية من شراء الربطة بالسعر المدعوم، فتدفع 6 شواكل للحصول عليها.

أم محمد: أشتريها بستة شواكل.. لا أستطيع أن أعود إلى خيمتي بلا خبز.

تعيش أم محمد مع ابنها الضرير داخل خيمة في مواصي خانيونس بعد نزوحها من رفح، ولا تملك مصدر دخل ثابت، وتقول: "أمنيتي أن يتم وضع رابط أو نظام للخبز، على غرار آلية تعبئة غاز الطهي، بحيث تضمن الأسرة حصتها دون الوقوف في طوابير لا تضمن الحصول على شيء".

أم محمد واحدة أيضًا من (95%) قالوا :"إن نقص الخبز أثر على كمية الطعام الكلية لأسرهم، واضطروا إلى استبداله بالأرز والمعلبات".

أما هي، فلا تستطيع شراء الحطب أو إشعال النار بسبب أزمات صحية ألمت بها، كما لا تستطيع شراء الخبز المدعوم من مخابز أخرى، بسعرٍ يتراوح بين 6 و8 شواكل.

عودة: ليس من العدل أن يحصل شخص على عشر ربطات ويحرم آخر منها.

ويؤكد عبد اللطيف عودة (38 عامًا)، من حي الزيتون غربي مدينة غزة، وأب لثلاثة أطفال أكبرهم عمره 10 سنوات، أنه يعجز مرارًا عن الحصول على خبز الغذاء العالمي بالسعر المدعوم بسبب نفاده السريع.

ويقول: "أرى أطفالًا لا تتجاوز أعمارهم 13 عامًا يزاحمون الجميع، يشترون الربطات ثم يهربونها إلى مكان ما، ويعودون إلى الطابور حتى يجمعوا كميات كبيرة، ثم يبيعونها في الأسواق والمفترقات بسعر مضاعف".

ويطالب عودة بالسماح لكل عائلة بربطة واحدة، حتى لا يحصل شخص على 10 ربطات بينما تعود عائلات أخرى من دون خبز.

السعر يرتفع مع الوقت

لم يكن السعر في السوق السوداء ثابتًا، حيث أظهرت نتائج الاستبانة أنه يصل أحيانًا إلى 10 شواكل! وبناءً على شكاوى وصلت عبر الاستبانة، في بندٍ يتيح كتابة التجربة، نزل معدّا التحقيق ميدانيًا في أوقات مختلفة، ليتبين أن سعر الربطة يتغير خلال اليوم.

في الصباح، تراوح بين 5 شواكل نقدًا و6 شواكل عبر التطبيق، ثم ارتفع إلى 7 شواكل في الظهيرة، وبدأ بالارتفاع تدريجيًا بعد الساعة الواحدة ظهرًا حتى السابعة مساء، مستفيدًا من أن توزيع الخبز المدعوم يتم أساسًا بين السادسة والنصف والثامنة صباحًا.

 (234) شكوى من أصل (350) مشاركًا بالاستبانة، تناولت جودة الخبز والأسعار ونظام التوزيع وغياب العدالة ونقص التغطية الجغرافية.

ووصلت إلى معدّي التحقيق (234) شكوى من أصل (350) مشاركًا، تناولت جودة الخبز والأسعار ونظام التوزيع وغياب العدالة ونقص التغطية الجغرافية.

إحدى المشتكيات، وهي أم لخمسة أفراد تقيم في خيمة غربي مدينة غزة، طلبت وجود نظام يتيح لأبنائها استلام الخبز نيابة عنها، لأنها لا تستطيع الذهاب أحيانًا لعدم وجود زوجها الذي اعتقله جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة.

وفي شكوى أخرى، قال رجل يبلغ من العمر (70 عامًا) من شمالي غزة، ويعيل أسرة من سبعة أفراد بينهم أربعة أطفال: "لم أعد قادرًا على الذهاب يوميًا للحصول على ربطة الخبز".

وتكشف هذه الشكاوى أن مشكلة التوزيع لا تضرب الأسر بالطريقة نفسها، بل تجعل الأطفال وكبار السن والنساء والأسر التي تعيلها امرأة أكثر عرضة لفقدان حصتهم.

ربطة واحدة لا تكفي

وهناك مشكلة أخرى تتعلق بغياب معيار واضح لكمية الخبز التي تحتاجها الأسرة، فقد أجاب (67%) من المشاركين عن سؤال معرفتهم بالمعيار المحدد لحصة الأسرة اليومية بإحدى الإجابات الثلاث: "لا أعرف"، أو "كمية ثابتة بغض النظر عن العدد"، أو "لا، لا يوجد معيار واضح".

أما الرصد الميداني فأظهر أن الشخص الواقف في الطابور يحصل على ربطة واحدة وزنها 2 كيلوغرام، بغض النظر عن عدد أفراد أسرته.

وفق الاستبانة: الأسرة المكونة من (4) إلى (5) أفراد تحتاج في المتوسط إلى (1.35) ربطة يوميًا، بينما يرتفع الاحتياج لدى الأسر المكونة من 6 أفراد فأكثر إلى (1.76) ربطة يوميًا.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يبلغ متوسط حجم الأسرة في قطاع غزة (5.3) فردًا. وقد أظهرت الاستبانة أن الأسرة المكونة من (4) إلى (5) أفراد تحتاج في المتوسط إلى (1.35) ربطة يوميًا، بينما يرتفع الاحتياج لدى الأسر المكونة من 6 أفراد فأكثر إلى (1.76) ربطة يوميًا.

وبما أن الربطة لا تُشترى مجزأة، فإن الأسرة المتوسطة أو الكبيرة تحتاج عمليًا إلى ربطتين يوميًا، بينما لا تتيح لها نقطة التوزيع سوى ربطة واحدة للشخص الذي يقف في الطابور.

وهكذا، تضطر الأسرة المكونة من 6 أفراد إلى شراء الربطة الثانية من السوق السوداء، بما يتراوح سعرها بين 5 و7 شواكل، أي إن كلفة احتياجها الأدنى تصل إلى مبلغ يتراوح بين 10 و14 شيكلًا يوميًا.

العمصي: شراء الخبز من السوق السوداء قد يستهلك نحو (82%) من دخل الفرد اليومي، بينما كان يمكن أن تنخفض النسبة إلى (35.29%) لو تمكنت الأسرة من الحصول على ربطتين بالسعر المدعوم.

ويضع سامي العمصي، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في غزة، هذه الكلفة في سياق اقتصادي أشد قسوة، إذ يقول: "نسبة الفقر تجاوزت 90%، بينما يبلغ متوسط دخل الفرد في القطاع 17 شيكلًا يوميًا".

وبذلك، فإن شراء الخبز من السوق السوداء قد يستهلك نحو (82%) من دخل الفرد اليومي، بينما كان يمكن أن تنخفض النسبة إلى (35.29%) لو تمكنت الأسرة من الحصول على ربطتين بالسعر المدعوم البالغ 6 شواكل.

من يتحمل المسؤولية؟

رئيس جمعية المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، يقر بوجود تلاعب وتجاوزات في بيع الخبز المدعوم.

ويقول: "إن برنامج الأغذية العالمي يبيع الربطة لنقطة التوزيع بـشيكلين، ثم تبيعها النقطة للمستفيد بـثلاثة شواكل"، مؤكدًا أن الرقابة على النقاط لا تزال غير كافية.

"إذا استلمت النقطة 500 ربطة، يفترض أن توزعها على 500 عائلة، لا أن تبيع 200 منها لتجار أو باعة بـ4 شواكل، ليبيعها هؤلاء للمواطنين بـ6 شواكل"، يقول العجرمي، عادًا أن مثل هذه الممارسات ترتقي إلى شبهات فساد.

جمعية "المخابز": رقابتنا تنتهي عند نقطة التوزيع.. وهناك تبدأ مشكلة السوق السوداء.

ويضيف: "بعض نقاط البيع متورطة في تهريب كميات كبيرة إلى التجار، بهدف تحقيق ربحٍ أكبر، وأن ذلك يحدث "بمعرفة مالك النقطة".

وتتوافق هذه الشهادة مع نتائج الاستبانة، إذ بيّن (62.6%) من المشاركين أنهم سمعوا عن بيع تجار جزءًا من حصتهم بسعر أعلى، فيما أشار مصدر في وزارة الاقتصاد طلب عدم ذكر اسمه، إلى أن الوزارة سبق أن ضبطت بعض نقاط التوزيع.

لكن دور الجهات الرسمية لا يمتد إلى كل حلقات السلسلة. المهندس عماد الحوراني، مدير دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني بغزة، يقول: "إن طواقم الوزارة تراقب جودة الخبز ووزنه خلال الجولات العامة على الأسواق، فيما لا تتولى اختيار نقاط البيع، لأن ذلك من اختصاص برنامج الأغذية العالمي".

"حماية المستهلك": مهمتنا مراقبة السعر.. أما اختيار نقاط التوزيع فمسؤولية البرنامج.

وأكد أن دور الوزارة داخل نقاط البيع يتعلق بالتزامها بالسعر، غير أن أحد عناصر التفتيش في الدائرة، ورفض الكشف عن اسمه، أشار إلى أنهم "يغضون الطرف أحيانًا عن بعض باعة الخبز على المفترقات، خصوصًا في إحدى مناطق مواصي رفح، لأن التوزيع الجغرافي لنقاط البيع "غير سليم"، ولأن المواطن قد يضطر إلى دفع أجرة مواصلات تعادل ما سيدفعه لشراء الخبز من السوق السوداء".

ماذا يقول برنامج الأغذية العالمي؟

برنامج الأغذية العالمي، أجاب عبر البريد الإلكتروني على أسئلة معدَّي التحقيق بقوله "إن البرنامج يتعاقد حاليًا مع 28 مخبزًا في شمال ووسط وجنوب قطاع غزة ضمن "نموذج التحول"، ويوفر لها دقيق القمح والديزل فقط لإنتاج الخبز المدعوم.

وأوضح أن اختيار المخابز تم عبر عملية تنافسية من قائمة مختصرة مؤهلة مسبقًا، وأن الطاقة الإنتاجية اليومية للمخابز الـ(28) تبلغ 100 ألف حزمة، وزن كل منها 2 كيلوغرام، أي 200 ألف كيلوغرام من الخبز أو قرابة (2.2 مليون رغيف) يوميًا، يستفيد منها نحو 500 ألف شخص.

وبحسب البرنامج، يشتري تجار التجزئة الحزمة بشيكلَين، ويسمح لهم بإعادة بيعها بثلاثة شواكل، فيما يشتري البرنامج جزءًا من الإنتاج لتوزيعه مجانًا ضمن برنامج الوجبات الساخنة، خصوصًا في المناطق النائية.

لكن البرنامج لم يجب عن سؤال مباشر حول وجود رقابة كاملة على نقاط بيع الخبز المدعوم، وفي الوقت نفسه، أوصى الحوراني بضرورة زيادة عدد نقاط التوزيع وتغطيتها جغرافيًا، حتى لا يتحول بُعد المسافة نفسه إلى وسيلة استغلال للمواطنين.

هل رفع السعر مخالفة قانونية؟

ويضع المدير الإقليمي لائتلاف "أمان" في غزة، وائل بعلوشة، المسألة أمام احتمالين قانونيين: إذا كان سعر الـثلاثة شواكل مقررًا بقرار أو تعليمات رسمية فلسطينية، فإن تجاوزه يمثل مخالفة للتسعيرة، وقد تنطبق عليه أحكام قانون حماية المستهلك.

"أمان": السعر المعلن هو مفتاح المساءلة القانونية.

ويشير بعلوشة إلى القرار الوزاري رقم (1) لسنة 2010م بشأن إشهار الأسعار، والقرار الوزاري رقم (6) لسنة 2010م بشأن تحديد سقف سعر بيع كيلوغرام الخبز، مع التأكيد أن القرار القديم لا يثبت وحده أن سعر الثلاثة شواكل هو السعر الرسمي النافذ حاليًا.

أما إذا كان السعر ناتجًا عن اتفاق تعاقدي بين برنامج الأغذية العالمي ونقاط البيع، فإن الالتزام يكون في الأصل تعاقديًا.

مستشار قانوني: إذا أُعلن السعر للمستهلك فالمزود ملزم بإعلانه على وحدة البيع.

ويؤكد المستشار القانوني محمد عبد القادر أبو علوان أن بيع الربطة بـ 6 أو7 شواكل، إذا كان عقد النقطة يلزمها ببيعها بـ 3 شواكل، يمكن أن يؤدي إلى فسخ العقد أو وقف التوريد أو الاستبعاد والمطالبة بالتعويض.

لكن الأمر يصبح أكثر وضوحًا إذا كان سعر الثلاثة شواكل معلنًا للمستهلك، فالمادة (17) من قانون حماية المستهلك تلزم المزود بإعلان السعر بالعملة المتداولة على وحدة البيع، فيما تحظر المادة (22/7) بيع السلعة بسعر أعلى من السعر المعلن.

وبحسب أبو علوان، فإن مخالفة المادة (22/7) قد تصل عقوبتها إلى الحبس من ستة أشهر إلى سنة، وغرامة من (1000) إلى (10,000) دينار أردني أو ما يعادلها.

أما الحصول على عدة ربطات وإعادة بيعها، فلا يمثل تلقائيًا جريمة، إذ يفرق بعلوشة وأبو علوان بين تكرار الاستفادة، وإعادة البيع، ودور صاحب نقطة التوزيع.

في حال تحول بيع الخبز إلى نشاط متكرر ومنظم، فقد ينطبق على البائع تعريف "المزود" الوارد في القانون، خاصة إذا كان يعيد البيع بسعر أعلى من السعر المعلن.

فإذا استخدم الشخص بيانات الغير أو مستندات غير صحيحة أو انتحل صفة للحصول على كمية إضافية، فقد تدخل الواقعة في نطاق الاحتيال إذا توافرت عناصر الجريمة، أما مجرد الوقوف في الطابور أكثر من مرة، فلا يكفي وحده للإدانة إذا لم يكن هناك نظام واضح يمنع التكرار.

وفي حال تحول بيع الخبز إلى نشاط متكرر ومنظم، فقد ينطبق على البائع تعريف "المزود" الوارد في القانون، خاصة إذا كان يعيد البيع بسعر أعلى من السعر المعلن.

أما الحالة الأخطر فتتعلق بصاحب نقطة البيع الذي يسلّم عمدًا كميات كبيرة إلى شخص يعرف أنه سيعيد بيعها، إذ يمكن عندها بحث مخالفته لشروط عقد برنامج الأغذية العالمي وقواعد التوزيع والسعر، وربما مسؤوليته عن الاشتراك أو المساعدة إذا ثبت العلم، فيما تصبح سجلات الدفع وكميات البيع اليومية والفروق بين الكميات المصروفة والمفترض بيعها أدلة أساسية.

ثغرة تبدأ من الطابور

وبينما يؤكد برنامج الأغذية العالمي أن (28) مخبزًا تنتج 100 ألف حزمة يوميًا، ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى إنتاج يقارب (110) آلاف رزمة مدعومة يوميًا ضمن إجمالي إنتاج إنساني يقارب (300) طن، تكشف البيانات الميدانية عن مشكلة لا تتعلق فقط بكمية الخبز المنتجة، بل بما يحدث بعد خروجها من المخبز.

فالرقابة على الكمية والجودة لا تعني بالضرورة الرقابة على المستفيد النهائي، وفي غياب تسجيل الأسماء، وغياب آلية تمنع الازدواجية بين نقاط التوزيع، وعدم وجود معيار واضح لحصة الأسرة، يجد بعض الباعة مساحة للحصول على ربطات متعددة، فيما تضطر أسر أخرى إلى شرائها بسعر يصل إلى 10 شواكل.

وبينما قال (72%) من المشاركين إن ثقتهم منخفضة في عدالة توزيع الخبز بين الأسر المستحقة، قالت ما نسبته (84.6%) إنهم اشتروا خبزًا بأعلى من السعر المدعوم من مصادر غير متعاقدة، فيما رأى (95%) أن نقص الخبز أثر على كمية الطعام في أسرهم.

هنا لا تعود ربطة الخبز مجرد سلعة رخيصة في طابورٍ مزدحم، بل تصبح اختبارًا لمنظومة المساعدات نفسها.. من يحدد الكمية؟ ومن يتأكد من المستفيد؟ ومن يراقب النقطة بعد تسلمها الخبز؟ ومن يحاسب من يحول الدعم إلى تجارة؟

حتى الآن، تتوزع المسؤولية بين برنامج الأغذية العالمي الذي يراقب إنتاج الخبز وجودته وتسليمه، ووزارة الاقتصاد التي تراقب الوزن والسعر ضمن جولات الأسواق، ونقاط بيع تفتقر إلى نظام واضح لمنع الازدواجية، فيما تبقى السوق السوداء مستعدة لابتلاع كل ربطة خبز لا تصل إلى مستحقها.

المشكلة التي كشفتها هذه المتابعة ليست في كمية الخبز فقط، وإنما في الطريق الذي يسلكه من المخبز إلى يد المواطن.

ورغم أن الخبز المدعوم يُنتج يوميًا بمئات الأطنان، فإن المشكلة التي كشفتها هذه المتابعة ليست في كمية الخبز فقط، وإنما في الطريق الذي يسلكه من المخبز إلى يد المواطن.. طريقٌ يمكن أن تضيع فيه حصة أسرة كاملة بين طابور يتكرر، ونقطة لا تسجل الأسماء، وسوق سوداء ترفع السعر، ورقابة تتوقف قبل أن تصل الربطة إلى فم من يحتاجها.

تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.