قصائدٌ نجَت من القصف فأحصت العمر جنازةً جنازة!
تاريخ النشر : 2026-09-28 17:58

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

من بيت دارَس، القرية التي خرجت منها عائلتها يوم اقتُلع الفلسطينيون من بيوتهم في عام النكبة، إلى خانيونس التي فتحت عينيها فيها على الحياة، حملت سمية وادي المكان كما يحمل المرء أثرًا لا يغادره.

سكنت القرى والمدن والبيوت القديمة ذاكرتها السمعية، ثم وجدت طريقها إلى القصيدة، فصار المكان في كتابتها أكثر من جغرافيا.. صار ذاكرةً وحبًا وفقدًا، وصارت القصيدة محاولة لاستعادة ما يتساقط من الذاكرة كلما امتدت يد الحرب.

وحين بدأت الإبادة، لم تعد المسافة بين الحياة والموت كما عرفتها من قبل. عاشت الجوع والنزوح والقصف المتكرر، وفقدت شقيقها وزوجة شقيقها، ورأت الحزن يتكاثر حولها حتى لم يعد ثمة متسع للهروب منه.

منذ عام 2022م، حصدت سمية وادي جوائز أدبية وشعرية، كان أحدثها الفوز بجائزة البابطين الثقافية.

وحين عجزت الكلمات في البداية عن حمل كل ذلك، ظلت تتراكم في الداخل، إلى أن عادت القصيدة من بين الركام، لا بوصفها ترفًا أدبيًا، بل محاولة للإمساك بالحياة وهي تفلت، ولحفظ ما تستطيع الذاكرة أن تنقذه من زمنٍ يلتهم كل شيء.

وادي، الأم لطفلين، والمعلمة والباحثة، راكمت تجربة أدبية تنقلت فيها بين الشعر والنثر، وأصدرت أعمالًا منها "لو يطمح السفر"، و"وجوه للأقنعة"، و"كم جنازة عمرك؟"، و"قصائد ناجية من الخوارزمية".

ومنذ عام 2022م، حصدت جوائز أدبية وشعرية، كان أحدثها الفوز بجائزة البابطين الثقافية، وهي محطة ترى فيها ما يتجاوز الفرح الشخصي، إذ تمنحها شعورًا بأن الكلمة الفلسطينية، حتى وهي تخرج من قلب الألم، ما زالت قادرة على الوصول.

تقول وادي: "القصيدة التي نالت الجائزة انطلقت من تجربة الإبادة والهم الجمعي، بما يحمله من حزن وموت وفقد، ولذلك اكتسب الفوز بالنسبة لي قيمة مختلفة".

"حتى حين تفارق الأرواح أجسادها، تبقى الكلمات قادرة على الوصول، عبر أصوات الشعراء الذين سبقوا، والذين سيأتون لاحقًا حاملين الحكاية".

وتضيف: "شعرت بالفخر لأنني فلسطينية، فقد منحني أملًا بأن الحرف يستطيع أن يتعالى على الجراح، وأن يتحول إلى شكل من أشكال الانتصار وإثبات الوجود، فحتى حين تفارق الأرواح أجسادها، تبقى الكلمات قادرة على الوصول، عبر أصوات الشعراء الذين سبقوا، والذين سيأتون لاحقًا حاملين الحكاية".

أما القصيدة الفائزة، "يوميات القصف العادي"، فتخبرنا وادي أنها وُلدت قبل عنوانها، وجاءت في عشرة مقاطع تتناول الحرب ويومياتها وأبعادها المختلفة، من خلال حكاية فتاة شابة حالمة، تطمح إلى الحب والسعادة، قبل أن تجد نفسها في خيمة جنوب قطاع غزة، تستحضر وهمًا كان حقيقة يومًا ثم تلاشى.

في القصيدة، تحاول الفتاة أن ترى الحب والمحبوب في الغبار ورمال القبور والخيمة، وسط طقوس الموت والقصف والقذائف، وأن تصنع من الحب جانبًا مشرقًا، حتى قبل أن تصلها القذيفة وتغتالها ربما.

وبعد اكتمال النص، شعرت وادي بأنه يشبه حياتهم اليومية تحت القصف، أما العنوان، فتشير إلى أنها استلهمته من قصيدة محمود درويش "يوميات الحزن العادي"، في إحالة إلى القصف الذي اعتاده الغزيون حتى صار جزءًا من تفاصيل يومهم، وطقسًا حاضرًا وهم يحاولون مواصلة حياتهم.

لكن الكتابة لم تكن ممكنة طوال الوقت. فقد توقفت وادي فترةً تحت وطأة ظروف لم تترك مساحة للعزلة أو التأمل.. كان النهار يذهب في البحث عن الحطب والطعام والمياه، داخل بيت لا تتجاوز مساحته ثمانين مترًا، ويضم عائلات كثيرة، فيما كان الليل مثقلًا بالخوف والقصف.

تصف تلك المرحلة بأنها كانت قاسية إلى حد شعرت معه بالخرس، "فمشاعر الحزن والخوف والهلع بدت أكبر من العبارة والقلم" تقول.

وتستدرك: "حتى التواصل مع الأصدقاء انقطع طويلًا بسبب غياب الإنترنت، وكان الاطمئنان عليهم أحد دوافعها الأولى للكتابة. ثم تراكمت الأفكار في داخلها، إلى أن انفجرت بعد انقطاع طويل، كأنها ولادة تطلب إخراجها إلى النور".

غيّرت الحرب علاقة وادي بالشعر، فقبلها كانت تكتب عن همومها ومشاعرها الخاصة، مثل كثير من الشعراء الذين سعوا إلى تجارب فلسفية وجمالية مختلفة، وتتذكر أنها كانت أحيانًا ترى الشعر المقاوم، الذي درسته، بسيطًا مقارنة بما تطمح إليه، قبل أن تعيدها الحرب إلى الأرض والتراب، وتجعلها أكثر التصاقًا بالناس ووجعهم.

"الشاعر في قطاع غزة وجد نفسه أمام مسؤولية أن يكون لسان المواطن الموجوع والشهيد، وأن يواسي الأهل والأصدقاء، وينقل الحكاية إلى العالم".

تعلق بالقول: "الشاعر في قطاع غزة وجد نفسه أمام مسؤولية أن يكون لسان المواطن الموجوع والشهيد، وأن يواسي الأهل والأصدقاء، وينقل الحكاية إلى العالم". وهكذا تغير شكل القصيدة، لتجمع بين الفن والرسالة، وتستعير مفرداتها من الألم المتراكم في الصدور ومن نشرات الأخبار، دون أن تتخلى عن قيمتها الأدبية.

وتظل غزة حاضرة في كتاباتها، حتى حين لا تكون موضوع النص المباشر.. تخاطبها بلسان المحب العاتب، الذي لا ينفصل عن محبوبه، لكنه يتألم لما يتعرض له من فقد.

وقبل الحرب، كتبت "قصيدة وردية لمرة واحدة"، جمعت فيها الوطن والمرأة والحب، وتغزلت بغزة وأحلامها، أما اليوم، فتشعر بأن الحرب محَت كل ما كان ورديًا في الواقع.

وإلى جانب الشعر، تنحاز وادي إلى النثر، الذي تجد فيه مساحة أوسع لالتقاط تفاصيل الحياة اليومية، وتضم مجموعتها "كم جنازة عمرك؟" نصوصًا نثرية وقصصية تتداخل فيها الدراما والمونودراما، وُلدت من مشاهد الحرب وظروفها، ثم أعادت صياغتها أدبيًا.

ولا تستبعد أن تكتب رواية مستقبلًا، تكون أكثر شمولًا لمراحل الوجع الذي عاشته، ووثيقة أدبية عن تجربة فتاة فلسطينية عاشت الإبادة.

وتقول عن عنوان المجموعة: "يحمل عنوان المجموعة سؤالًا صادمًا وفلسفيًا، لكنه حقيقي في غزة، حيث أصبح الموت سريعًا ومتكررًا، وبات الناس يحسبون أعمارهم بعدد الجنازات التي عاشوها، حتى الأطفال فقدوا أصدقاء وأقارب وجيرانًا، والتصق الفقد بتفاصيل الحياة اليومية".

وترى وادي أن الجوائز تمثل دافعًا مهمًا للشاعر الفلسطيني، لكنها لا تكفي وحدها، فالأدباء بحاجة إلى اهتمام مستمر يتجاوز لحظات التتويج، ويشمل النشر والترجمة والمشاركة الثقافية، خصوصًا أن بعض الشعراء في قطاع غزة توقفوا عن الكتابة تحت وطأة الظروف القاسية.

"لا تقتصر مهمة الشاعر على نقل الحقيقة، بل تتجاوزها إلى مساعدة القارئ على رؤية ما وراء المشهد".

وبالنسبة إليها، لا تقتصر مهمة الشاعر على نقل الحقيقة، بل تتجاوزها إلى مساعدة القارئ على رؤية ما وراء المشهد. فالشاعر، كما تقول، بصيرة للمجتمع، وعليه ألا ينفصل عن الناس، بل أن ينظر إلى ما هو أبعد من اللحظة، ويحفظ الحكاية من أن تتحول إلى أرقام وأخبار عابرة.

وربما لهذا، تبدو الكتابة عند وادي أكثر من فعل أدبي.. إنها محاولة لإنقاذ الحكاية من أن تتحول إلى رقم في نشرة، أو اسم في قائمة، أو خبر عابر يمر أمام عين القارئ ثم يختفي، فوراء كل جنازة عمر كان يمكن أن يُعاش بطريقة أخرى، ووراء كل اسم حكاية، ووراء كل قصيدة إنسان حاول، رغم كل شيء، أن يتمسك بالحياة.