ذوو الإعاقة.. وسنواتٌ من "التأهيل" تآكلت تحت الإبادة!
تاريخ النشر : 2026-09-28 15:26

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يخسر كمال باسل مركزه التعليمي والتأهيلي فحسب، بل بدأ يخسر شيئًا بناه داخله على مدى سنوات. فالشاب البالغ 21 عامًا، والمصاب بمتلازمة داون، كان يرتاد جمعية الحق في الحياة منذ أن كان في الثالثة من عمره، قبل أن تقطعه الحرب عن التعليم والتأهيل وتدفعه إلى البقاء في المنزل.

تقول شقيقته مريم، في حديث لـ"شبكة نوى": "انقطاعه عن التعليم والتأهيل انعكس على حالته فأصبح أكثر خوفًا، ولم يعد يعرف الكتابة كما كان من قبل، كما بات التواصل معه وفهم ما يريده أصعب"، مضيفة: "أصبح أكثر عنادًا وأقل استجابة للكلام، ما زاد من صعوبة التعامل معه داخل المنزل".

قبل الحرب، كان كمال يعيش في دير البلح ويتلقى خدمات التعليم والتأهيل بصورة منتظمة، لكن النزوح وتراجع وسائل النقل، إلى جانب الظروف الاقتصادية الصعبة، جعلت أسرته عاجزة عن توفير وسيلة نقل بديلة أو الاستمرار في إرساله إلى الجمعية.

ولا تقف المشكلة عند كمال، ففي مخيم النصيرات، تواجه أسرة الحاجة أم محمد عامر ظروفًا مشابهة مع حفيدها البالغ عشرة أعوام، والمصاب باضطراب طيف التوحد.

قبل الحرب، كان الطفل يتلقى التأهيل في مركز بمدينة غزة، وكان وضعه مستقرًا، بحسب جدته. لكن الحرب والنزوح قطعا طريقه إلى المركز، لتجد الأسرة نفسها أمام مسؤولية التعامل مع احتياجاته اليومية من دون مساعدة المختصين.

تقول أم محمد: "الأسرة لم تعد قادرة على توفير البيئة التي كان يحتاجها لتعويض خدمات التأهيل التي فقدها، فقبل الحرب كان يعيش في منزل مستقر، وله غرفة وألعاب، بينما يعيش اليوم مع أسرته في خيمة داخل مخيم نزوح، في ظروف لا توفر له المساحة والاستقرار اللذين يحتاجهما.

كما أصبح إرساله إلى مدرسة أو مركز متخصص أمرًا بالغ الصعوبة، في ظل النزوح وصعوبة التنقل والوضع الاقتصادي، لتتحمل الأسرة وحدها مسؤولية رعايته واحتياجاته، في غياب التأهيل المتخصص.

مهارات يصعب الحفاظ عليها بالمنزل

وتقول المديرة التنفيذية لمدرسة جسور الأمل للتربية الخاصة، راوية أبو الكاس: "الحرب لم تعطل خدمات التعليم والتأهيل فحسب، بل ضربت البيئة التي كانت تقدم فيها هذه الخدمات من أساسها".

فقد تعرض مقر المدرسة للقصف ودمرت تجهيزاته ومستلزماته، ولم تتمكن المدرسة من العودة إلى مقرها الأصلي في المنطقة الشرقية من دير البلح خشية على سلامة الطلاب، فاستأجرت مقرًا بديلًا قرب دوار الـ17، لكنه أصغر ولا يسمح باستيعاب الأعداد السابقة.

وتوضح أبو الكاس، لـ"نوى"، أن المدرسة كانت تستقبل قبل الحرب أكثر من 350 طالبًا وطالبة من ذوي الإعاقات الجسدية والذهنية في محافظتي الوسطى وخان يونس، بينما انخفض العدد حاليًا إلى نحو 150–170 طالبًا، في حين تضم قائمة الانتظار نحو 300 حالة تنتظر خدمات التعليم والتأهيل.

وتعد المواصلات أحد أبرز أسباب هذا الانخفاض، فبعد أن كانت المدرسة توفر النقل للطلبة، باتت الأسر تتحمل هذه المسؤولية، في ظل ارتفاع تكاليف المواصلات ونقصها، ما جعل غالبية الطلبة الحاليين من المناطق القريبة من المدرسة، مع تركز خدماتها حاليًا في دير البلح وبعض الحالات القادرة على الوصول إليها من المناطق المحيطة.

وتشير أبو الكاس إلى أن بعض الأسر تضطر إلى قطع مسافات طويلة، وأحيانًا الانتقال من محافظة إلى أخرى، من أجل جلسة تأهيلية لا تتجاوز 20 دقيقة، مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيًا، رغم حاجة بعض الأطفال إلى جلسات أطول وأكثر انتظامًا.

لكن أثر الانقطاع لا يتوقف عند فقدان الجلسة أو تأخرها، فبحسب أبو الكاس، قد يحقق الطفل تقدمًا ملحوظًا بعد فترة من التدريب، ثم ينقطع عن المتابعة بسبب النزوح أو صعوبة الوصول، وعندما يعود يكون قد فقد جزءًا من المهارات التي اكتسبها، وقد يتراجع إلى مستوى أدنى مما كان عليه قبل الانقطاع.

وتضيف: "التراجع لا يرتبط بانقطاع التعليم والتأهيل وحده، بل كذلك بالظروف التي يعيشها الأطفال خلال الحرب، من فقد ونزوح وسكن في الخيام، وهي ظروف تزيد من صعوبة الحفاظ على المهارات المكتسبة.

ورغم ذلك، لم توقف المدرسة خدماتها للطلاب القادرين على الوصول إليها، وتشمل التعليم والتأهيل، والعلاج الطبيعي والوظيفي، والدعم النفسي، إلى جانب تعديل وضبط السلوك، وفق احتياجات كل طفل.

ومع زيادة الاحتياج إلى خدماتها، رفعت المدرسة ساعات العمل وقلصت مدة الجلسات العلاجية لإتاحة الخدمة لأكبر عدد ممكن من الأطفال، إلا أن محدودية المكان والكادر والإمكانات لا تزال تحد من قدرتها على التوسع.

وتوضح أبو الكاس أن تعليم الأطفال ذوي الإعاقة يحتاج إلى وسائل وأساليب متخصصة، بعضها غير متوفر حاليًا، ما يدفع المدرسة إلى صناعة وسائل تعليمية بديلة من مواد بسيطة.

وفي ظل غياب التمويل الثابت، تعتمد المدرسة على مساعدات متقطعة ومشاريع تنفذها بعض المؤسسات، فيما لا تتقاضى رسومًا من الطلبة مراعاةً للظروف الاقتصادية للأسر، ما جعل العمل فيها شبه تطوعي.

حين يصبح الحفاظ على المهارة تحديًا

ما يحدث في هذه الحالات يتجاوز توقف جلسات التأهيل، فالتعليم والتأهيل المتخصصان لا يقدمان التدريب فقط، بل يوفران بيئة منظمة وأساليب مصممة وفق احتياجات كل شخص، وهو ما يصعب على الأسرة توفيره بمفردها، خصوصًا في ظروف النزوح.

وتظهر تجربة أنس أبو ظاهر أهمية ذلك بوضوح. فمنذ ولادته، كان يعاني صعوبات في الكلام والتعبير، ولم يكن ينطق بأي كلمة، ما جعل التواصل معه وفهم احتياجاته أمرًا صعبًا على أسرته.

وعندما بلغ السادسة، التحق بمدرسة متخصصة في التعليم والتأهيل، وبدأ تدريجيًا في اكتساب مهارات التواصل، حتى أصبح قادرًا، إلى حد ما، على التعبير عن نفسه واحتياجاته.

هنا تصبح الحرب بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة خسارة تتجاوز المركز أو المدرسة أو الجلسة التي توقفت.. إنها تهديد لمسار طويل من التعلم والتدريب والاستقلالية.

لكن ما يُبنى خلال سنوات من التدريب يمكن أن يتراجع عندما ينقطع صاحبه عن البيئة التي ساعدته على اكتسابه. وهنا تصبح الحرب بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة خسارة تتجاوز المركز أو المدرسة أو الجلسة التي توقفت.. إنها تهديد لمسار طويل من التعلم والتدريب والاستقلالية.

لذلك، لا تبدو خدمات التعليم والتأهيل بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة خدمة إضافية يمكن تأجيلها في أوقات الأزمات. فاستمرارها يرتبط بقدرتهم على اكتساب المهارات والحفاظ عليها وتطويرها، بينما تجد الأسر، في ظل النزوح وتراجع الخدمات، نفسها مطالبة بسد فجوة لا تملك الأدوات أو الظروف الكافية لردمها.