عائلةٌ فرّت من الحرب في السودان فأمطرتها نيرانها بغزة!
تاريخ النشر : 2026-09-20 08:36
عائلة أبو عبيد المقيمة حاليًا في غزة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"من السودان إلى غزة، لحقت بنا الحرب وأثقلت أرواحنا بنارها"، بهذه الكلمات تختصر دنيا أبو عبيد، ذات الثمانية عشر عامًا، رحلة بدأت بالهرب من حرب السودان التي اندلعت في إبريل/ نيسان 2023م إلى مصر، قبل أن تقودها وعائلتها إلى قطاع غزة.

هناك، ظنوا أن بيت الجد سيكون محطة أخيرة في رحلة الخوف، لكن الحرب كانت أسرع من أحلامهم، فبعد أشهر قليلة من وصولهم، اندلعت حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع، وتحول المكان الذي قصدوه بحثًا عن الاستقرار إلى ساحة حرب جديدة، بدأت معها العائلة رحلة نزوح أخرى، أكثر قسوة هذه المرة.

تنحدر دنيا من عائلة مكونة من ثمانية أفراد، تتقاطع في سيرتها جغرافيا عربية متعددة، فوالدها أمجد وُلد وترعرع في الكويت، فيما وُلدت والدتها في مصر، قبل أن تستقر العائلة في السودان، حيث عمل الأب في الأعمال الحرة.

هناك، عاشت الأسرة سنواتها قبل أن تتسع رقعة الحرب، وتطال الاعتداءات المدنيين، حيث قررت مغادرة السودان باتجاه مصر، بحثًا عن مكان أكثر أمانًا.

كانت مصر محطتهم الأولى، ومنها انتقلت العائلة إلى قطاع غزة في أول زيارة لأبنائها، وهي تظن أن الوصول إل بيت الجد يعني نهاية رحلة القلق.

كانت مصر محطتهم الأولى، ومنها انتقلت العائلة إلى قطاع غزة في أول زيارة لأبنائها، متجهة إلى بيت الجد، وهي تظن أن الوصول إليه يعني نهاية رحلة القلق وبداية حياة أكثر استقرارًا.. لكن ذلك الأمان لم يدم طويلًا.

مع اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/ تشرين أول 2023م، تبدّل كل شيء، لم تعد العائلة أمام ذكرى حرب تركتها خلفها، بل وجدت الحرب الجديدة تقترب من تفاصيل حياتها اليومية، حتى بات البيت نفسه مكانًا لا يمكن الركون إلى أمانه.تقول دنيا: "في السودان كنا نعيش الخوف ونشهد الاشتباكات والاعتداءات عن بُعد نسبي، لكننا في غزة وجدنا أنفسنا أمام حرب تجلس معنا في البيت وفي كل تفصيل دقيق.. نسمع القصف ونراه، ونعيش النزوح والجوع بجهد يومي".

وخلال الحرب، أُجبرت العائلة على النزوح 11 مرة، متنقلة بين الخيام والركام، بحثًا عن مكان لا تصل إليه الغارات.

ومن بين محطات النزوح التي لا تستطيع دنيا محوها من ذاكرتها، كانت مدرسة "أبو عاصي"، التي احتمت بها العائلة قبل أن تتحول هي الأخرى إلى مشهد من مشاهد الحرب.

تتذكر الشابة لحظة القصف، وهي ترى أجزاء الشهداء أمام عينيها، عاجزة عن استيعاب ما يحدث. وقفت للحظات بين الصدمة والإنكار، تتساءل إن كان المشهد الذي تراه كابوسًا سينتهي عند الاستيقاظ، أم واقعًا لا مفر منه.

ولم يكن القصف والنزوح المتكرر وحدهما ما يثقلان حياة الأسرة، ففي فترات المجاعة، أصبح الطعام نفسه معركة يومية، وتحول الحصول على رغيف خبز أو كمية من الطحين إلى مهمة قد تتطلب المجازفة بالعبور وسط الغارات بحثًا عن شيء يسد الجوع.

تضيف: "مررنا بظروف مأساوية في فترة المجاعة، وبلغنا أيامًا لم يصلنا فيها الخبز ولا الطحين، وبعضها كان الصغار فيها الأولى بالحصول على الحصص التي توفرت".

وبينما كانت الحرب تعيد تشكيل تفاصيل حياتها، كانت دنيا تحاول التمسك بمسارها الدراسي، فالتحقت بتخصص نظم المعلومات الإدارية في جامعة الأقصى، لكن مقاعد الجامعة سرعان ما أفسحت مكانها لذاكرة الحرب، وصارت الدراسة جزءًا آخر من حياة توقفت تفاصيلها الطبيعية تحت وطأة القصف والنزوح.

ومع استمرار الحرب، لم يعد البقاء في غزة هو الخيار الوحيد الذي تفكر فيه العائلة، بل بدأت تبحث عن طريق للخروج.

حمل أفراد العائلة للجنسيتين السودانية والمصرية لم يكن كافيًا لتسهيل خروجهم عبر معبر رفح البري قبل إغلاقه.

وقبل إغلاق معبر رفح في مايو/أيار 2024م، حاول أفراد الأسرة مغادرة القطاع. ظلّوا شهرًا كاملًا أمام المعبر البري، ينتظرون فرصة تسمح لهم بالعبور، آملين أن تحملهم الطريق هذه المرة إلى مكان أكثر أمانً، لكن حمل أفراد العائلة للجنسيتين السودانية والمصرية لم يكن كافيًا لتحقيق الخطوة!

انتهت المحاولة بالعودة إلى داخل قطاع غزة، لتجد الأسرة نفسها مجددًا بين خيام النزوح، بعدما كان الخروج منه هو آخر ما تبقى لها من أمل.

اليوم، تعيش العائلة في دير البلح وسط القطاع، من دون مصدر دخل ثابت، فيما يواصل أصدقاء الأسرة في السودان الاتصال بهم ومحاولة مساعدتهم والسؤال عن أحوالهم.

تخبرنا دنيا أن أصعب ما في تجربتها أنها عاشت حربين.. تركت كل واحدة منهما داخلها شكلًا مختلفًا من الخوف والفقد. ففي السودان كان الهرب بحثًا عن الأمان، أما في غزة فتحول الهرب إلى حلم آخر لم يتحقق.

وتختصر الشابة رحلتها بالقول: "هربنا من حرب، فوجدنا أنفسنا عالقين في أخرى أعنف منها، وما نزال نبحث عن طريقٍ للنجاة لا يعرف أحد عنوانه".