غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
قبل أيام من بدء العام الدراسي الجديد، لم تكن وفاء أبو يوسف منشغلة فقط بتأمين الحقائب والكتب والملابس المدرسية لأطفالها، بل كانت تفكر في الطريق الذي سيتعين عليهم قطعه كل صباح للوصول إلى المدرسة.
تعيش وفاء في منطقة السطر الغربي بخان يونس، جنوبي قطاع غزة، حيث تقع أقرب مدرسة معتمدة لأطفالها، بحسب قولها، على مسافة تستغرق نحو نصف ساعة سيرًا على الأقدام.
طريقٌ تتخلله أكوام من الركام ومخاطر التنقل، في وقتٍ لا تزال فيه نقطة تعليمية جُهزت داخل المنطقة بجهود تطوعية تنتظر الاعتماد.
"ما دام في نقطة تعليمية مجهزة وكادر تعليمي متطوع، ما المانع من اعتماد المدرسة؟".
وتقول: "المدارس المعتمدة الأقرب تقع في منطقتي طوهوكو ووسط خان يونس، وهي مسافات بعيدة على أطفالي في ظل غياب وسائل المواصلات وصعوبة الطرق، إلى جانب مخاوف تتعلق بسلامتهم أثناء التنقل".
وتضيف بحرقة: "ما دام في نقطة تعليمية مجهزة وكادر تعليمي متطوع، ما المانع من اعتماد المدرسة؟".
عائلة وفاء واحدة من العائلات التي عادت إلى السطر الغربي بعد فترة نزوح طويلة، لتجد أن العودة إلى المنطقة لم تترافق مع عودة كاملة للخدمات الأساسية. فبينما بقيت بعض المنازل قائمة أو عاد أصحابها إلى جوار ما تبقى منها، لا يزال السكان يعتمدون على جهودهم الخاصة لتوفير جانب من احتياجاتهم.
"لماذا ندفع ثمن عودتنا إلى ما تبقى من ركام بيوتنا بحرمان أطفالنا من التعليم؟".
ويقول محمود العديني، وهو أب لطفلين في سن الدراسة: "الأهالي يريدون أن تخضع جميع النقاط التعليمية للمعايير نفسها، بما يضمن للأطفال فرصة التعلم في بيئة قريبة من أماكن سكنهم".
ويتساءل: "لماذا ندفع ثمن عودتنا إلى ما تبقى من ركام بيوتنا بحرمان أطفالنا من التعليم؟".
الأمر ذاته تشير إليه هداية محمد، وهي أم لثلاثة أطفال في المدارس، موضحةً أن أسرتها غادرت المواصي بسبب صعوبة الحياة هناك، قبل أن تعود إلى السطر الغربي، المنطقة التي تنتمي إليها الأسرة وولد فيها أطفالها.
وتقول: "الأهالي بذلوا جهودًا لإنشاء نقطة تعليمية، على أمل أن تمثل المدرسة القريبة خطوة نحو استعادة جانب من الحياة الطبيعية، لكن اعتمادها لم يتم حتى مع اقتراب بدء العام الدراسي".
"كيف للمواطنين في ظل الإبادة أن يتكبدوا أعباء التعليم الخاص؟".
وتتساءل هداية عن إمكانية اعتمادها كنقطة تعليمية خاصة، قائلة: "كيف للمواطنين في ظل الإبادة أن يتكبدوا أعباء التعليم الخاص؟".
ولا ترى هداية أن إرسال طفلتها الصغيرة إلى مدرسة بعيدة خيار آمن، موضحة أن الطريق قد يستغرق نحو نصف ساعة، ويمر بمناطق توجد فيها كلاب ضالة ومخلفات ركام، إلى جانب حركة الآليات التي تنقل الأنقاض، فضلًا عن المخاوف الأمنية.
في السطر الغربي، لم تنتظر بعض العائلات عودة الخدمات التعليمية الرسمية، فبدأت مبادرات محلية بمحاولة سد الفراغ، من بينها مدرسة "الطليعة"، التي بدأ صاحبها محمد الأسطل تجهيزها العام الماضي، بالتزامن مع عودة مئات العائلات إلى المنطقة.

يخبرنا الأسطل أنه توجه إلى مديرية التربية والتعليم بعد تجهيز النقطة التعليمية لاستقبال أطفال المنطقة، حيث أُبلغ بأن المدرسة ستُعتمد مع بدء العام الدراسي.
وقبل نحو شهرين، عاد إلى المديرية للتقديم والحصول على ترخيص لنقطة تعليمية مجتمعية، وأُبلغ حينها بأن الإجراءات قيد الاستكمال، وأن زيارة ستُجرى إلى مقر المدرسة للاطلاع عليها ومتابعة تجهيزاتها، وفق روايته.
لكن الزيارة، بحسب الأسطل، لم تتم، وبعد نحو شهر، أُبلغ بعدم إمكانية ترخيص النقطة بوصفها حكومية، لقربها من "الخط الأصفر"، وطُلب منه التقدم للحصول على ترخيص مدرسة خاصة.
ويقول لـ"نوى": "وافقت، رغم تحفظي على الأمر، بهدف ضمان إدخال الطلاب في نظام التعليم".
"طبيعة المبادرة لا تتناسب مع تحويلها إلى مؤسسة خاصة، فتجهيز المدرسة تم من خلال التبرعات ومساهمات مؤسسات المجتمع المدني، بهدف توفير بيئة تعليمية مناسبة".
ويرى الأسطل أن طبيعة المبادرة لا تتناسب مع تحويلها إلى مؤسسة خاصة، موضحًا أن تجهيز المدرسة تم من خلال التبرعات ومساهمات مؤسسات المجتمع المدني، بهدف توفير بيئة تعليمية مناسبة للأطفال.
ويطرح تساؤلات بشأن أسباب عدم اعتماد النقطة بوصفها حكومية، في ظل حاجة أطفال المنطقة إلى مدرسة قريبة، ويتابع: "مبادرات أخرى على الامتداد الجغرافي نفسه حصلت على الاعتماد".
ولا تقتصر المسألة على "الطليعة"، فبحسب د. عاطف شعت، صاحب مبادرة "مدرسة أمجاد"، تعمل النقطة التعليمية منذ ثلاث سنوات على توفير التعليم المجاني لأطفال المناطق التي عاد إليها السكان بعد فترات النزوح، وتمكنت من خدمة أعداد كبيرة رغم محدودية الإمكانات.
وتوقفت المبادرة خلال فترة النزوح، قبل أن يحاول القائمون عليها استئناف عملها مع عودة السكان.
"تواصلنا مع يونيسيف ووزارة التربية والتعليم للحصول على الاعتماد، وقد استغرقت الإجراءات نحو عام قبل إبلاغنا بضرورة التقدم للحصول على ترخيص مدرسة خاصة".
ويوضح شعت أنهم تواصلوا مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، ووزارة التربية والتعليم؛ للحصول على الاعتماد، وقد استغرقت الإجراءات نحو عام، قبل إبلاغهم بضرورة التقدم للحصول على ترخيص مدرسة خاصة.
ويضيف: "القائمون على المبادرة وافقوا على ذلك رغم تحفظاتهم، بهدف مواصلة العملية التعليمية، حيث قدموا الأوراق المطلوبة قبل نحو شهر ونصف، لكن الموافقات لا تزال عالقة".
ويؤكد شعت أن الهدف من المبادرة لم يكن تحويلها إلى مؤسسة ربحية أو فرض رسوم على الطلبة، وإنما الاستمرار في تقديم التعليم المجاني لأطفال المنطقة.
ويرى القائمون على المبادرتين أن توفير مدارس في المناطق التي عاد إليها النازحون يمكن أن يسهم في استقرار الأسر وتشجيعها على العودة، فيما يحذرون من أن استمرار تأخر إجراءات الترخيص قد يحرم مئات الأطفال من التعليم مجددًا، مطالبين بتسهيل الإجراءات أمام المبادرات التعليمية المجتمعية.
تواصلت معدّة التقرير "عدة مرات" مع مديرية التربية والتعليم – شرقي خان يونس، للحصول على رد بشأن ما ورد في شهادات الأهالي والقائمين على المبادرات، وتوضيح إجراءات اعتماد النقاط التعليمية، إلا أنها لم تتلقَّ ردًا حتى موعد نشر التقرير.
