غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن "أمل" تدرك أن العرس الذي غادرته للتو سيكون تمرينها الأخير على الفرح، وأن ثوبها البسيط الذي ارتدته هناك سيكون آخر ما يستر جسدها الغض، قبل أن تتلقفه شظايا صاروخ إسرائيلي.
ثماني سنوات فقط، ذلك كل ما اقتطعته الطفلة أمل المغير من تقويم العمر المحاصر في مواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة.
مضت الطفلة تحمل رغبة صغيرة في وجبةٍ تحبها، من دون أن تعرف أن الطريق إليها سيكون أقصر طرق الموت.
هناك، حيث تتلاصق خيام النازحين، وباتت أبسط الوجبات أمنية مؤجلة، شعرت أمل بالجوع، فالتفتت إلى أبيها قائلة: "أنا جوعانة".
أومأ لها كي تذهب لشراء الفلافل، فمضت الطفلة تحمل رغبة صغيرة في وجبةٍ تحبها، من دون أن تعرف أن الطريق إليها سيكون أقصر طرق الموت.
تخبرنا والدتها سحر المغير، والدموع تغلب صوتها، أن طفلتها أصرت على الذهاب بمفردها، ورفضت يد شقيقتها التي امتدت لترافقها، قبل أن تخرج من الخيمة وكأنها كانت على موعد مع مصير لم يكن لأحد أن يتوقعه.
لم تمضِ سوى دقائق بين الأمنية البسيطة وموتها. باغتتها شظية صاروخٍ إسرائيلي استهدف "مخيم الصمود"، لتسقط أمل مساء 15 سبتمبر/أيلول 2025م، وتغادر الحياة قبل أن تحظى بقضمةٍ واحدة، وقبل أن تلمس الحقيبة والقرطاسية اللتين وعدتها بهما أمها في مطلع الشهر.
كانت الحقيبة تنتظرها منذ أن باغتتها الحرب وهي في الخامسة من عمرها، فيما كانت أمل تنتظر بدورها بداية عام دراسي طالما حلمت به.
تضيف الأم: "لا أمان في غزة. عادت لي جثة بدلًا من أن تعود فرحةٍ بالفلافل الذي اشتهته.. ماتت حبيبتي أمل وهي جائعة"، ثم تابعت وهي تبكي: "يا ليتكِ أكلتِ يا أمي قبل أن تموتي. كانت ابنتي فرحة بقدوم المدرسة، فانقلب الفرح إلى مأتم. قتلوا أمل وخلعوا قلبي من مكانه".
لم يكن موت أمل وحده ما أثقل المكان، فقد تحولت فرحتها بالمدرسة إلى مأتمٍ مفتوح، فيما وقفت عائلتها أمام خسارة لا يرممها عزاء.
تقول إحدى جارات الأسرة، التي ينكأ فقد أمل جراح عائلتها "الأخرس"، بعدما أُبيد معظم أفرادها: "ما ذنب الطفلة؟".
سؤالٌ بقي معلقًا في المكان، بينما انهار الأب والأشقاء تحت ثقل الفاجعة، وبقيت الأم سحر تستعيد تفاصيل حياتها الأخيرة مع ابنتها: خروجها من الخيمة، وإصرارها على الذهاب وحدها، وجوعها، والموت الذي لم يمهلها حتى لقضم لقمة واحدة.
تزيد: "قتلوها.. رحلت أميرة قلبي جائعة، وتركت لي جوعًا لا يشبعه العمر كله لصوتها ووجهها".
انضمت أمل إلى سجل الأطفال الذين فقدوا حياتهم في الحرب على قطاع غزة، في مأساة تتكرر فيها خسارة الأطفال في أماكن يفترض أن تكون عادية وآمنة.. في طريق إلى مدرسة، أو بحثًا عن طعام، أو عودة إلى خيمة نزوح.
وتشير الإحصائيات الرسمية للجهات الصحية والدولية إلى أن الحرب على قطاع غزة حصدت أرواح أكثر من 22 ألف طفل وطفلة، من بين عشرات الآلاف من الضحايا والمفقودين تحت الأنقاض.
أما أمل، ابنة الثمانية أعوام، فلم تكن تبحث عن شيءٍ كبير.. كانت جائعةً فقط! خرجت من خيمتها تبحث عن الفلافل، لكنها لم تعد به. عادت إلى أمها جثة، وتركت وراءها حقيبة مدرسة لم تُفتح، وكرسيًا ينتظر طفلة لن تعود، وجوعًا آخر لا يشبه جوع الطعام.. جوع أم إلى ابنتها، لا يشبعه العمر كله.
