غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
قبل أن تشرق الشمس على مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، يكون عطية اللحام ورفاقه الثلاثة قد سبقوها إلى حيث يمتد الركام.
فوق أنقاض مبنىً مقصوف، يبدو الأفق ميتًا.. بيوتٌ مهدمة تتجاور، فيما تطل من الجهة الشرقية مواقع عسكرية إسرائيلية تراقب المكان وتحيط به. في الوقت ذاته، يواصل الشبان عملهم غير بعيد عن "الخط الأصفر".
يحمل عطية ورفاقه المهدّة والكريك، ويبدأون بطرق الأسقف والأعمدة التي تحولت إلى كتل إسمنتية متراكمة، بحثًا عن قضبان الحديد العالقة بينها.

يتردد صوت الطرقات فوق الركام من الفجر حتى الغروب، بينما يحاولون تفكيك ما يمكن تفكيكه، وإزاحة الحجارة وسحب القضبان التي نجت من القصف.
يمسح عطية العرق عن جبينه، ويقول: "المهنة شاقّة، وساعاتها طويلة، ومخاطرها حاضرة في كل خطوة، لكن انعدام فرص العمل هو ما يدفعني وغيري للاستمرار".
يعمل عطية مقابل أجر، فيما يعمل آخرون مقابل الحديد الذي يستخرجونه، في سوقٍ نشأت حول مادةٍ فرضتها الإبادة على الغزيين: قضبانٌ كانت يومًا جزءًا من بيوتٍ ومبانٍ، ثم تحولت بعد تدميرها إلى مادة خام لمهن وأعمال أخرى.
على بعد خطوات من عطية، وفوق ركام منزلٍ آخر، يقف بلال انشاصي بين الأنقاض، يكرر المهمة ذاتها، لكن مقابل ما يخرجه من حديد.

كان المنزل الذي يعمل فوقه يعود إلى أسير محرر لم يهنأ بسقفه سوى بضعة أشهر، قبل أن تحيله الحرب إلى ركام.
يرافق بلال عاملان يساعدانه في استخراج القضبان من بين كتل الإسمنت، ثم تعديلها وتجهيزها، تمهيدًا لنقلها إلى ورش تصنع الخيام والمطابخ والأثاث المنزلي.
ومن بين الركام، تبدأ رحلةٌ أخرى. في وُرشٍ تنتشر على الطرقات أو تقام في أماكن وجود الزبائن، يتغير شكل القضبان ووظيفتها. لم تعد جزءًا من أعمدة بيت مهدّم، بل مادة يعاد تطويعها لتلبية احتياجات عائلات نزحت ولم يعد لديها الكثير من الخيارات.
"نقوم بتطويع الحديد وإعادة تشكيله حسب الحاجة، نصنع منه الأسرّة والخزائن، ونجهز المطابخ إلى جانب الهياكل التي تستخدم في إقامة الخيام".
في إحدى هذه الورش، يعمل يوسف المجايدة في صناعة الخيام ومستلزمات الحياة اليومية من الحديد المستخرج من المباني المدمرة.
اضطر يوسف إلى هذه المهنة رغم حصوله على شهادة جامعية بعدما أغلقت الحرب أبواب العمل، لكنه وجد فيها في المقابل حاجة متزايدة لدى المواطنين والنازحين.
يقول لـ"نوى": "نقوم بتطويع الحديد وإعادة تشكيله حسب الحاجة، نصنع منه الأسرّة والخزائن، ونجهز المطابخ إلى جانب الهياكل التي تستخدم في إقامة الخيام والمساكن المؤقتة".
ومع غلاء الخشب وندرته في الأسواق، وجد الحديد المستخرج من الركام طريقه إلى دورة إنتاج جديدة. لم تعد أسياخه مجرد خردة بين الأنقاض، بل مادة متاحة يعاد استخدامها في صناعة احتياجات أصبح الحصول عليها أكثر صعوبة، بأيدي حرفيين يحاولون تلبية متطلبات سكان أنهكتهم الإبادة.
عمل أبو دقة يتجاوز إصلاح الهياكل أو صناعة قطع منفردة، فهو يصنع من الحديد المستخرج من الركام والمعاد استخدامه شققًا كاملة.
في ورشته الواقعة في شارع خمسة بمواصي خانيونس، يستقبل محمد أبو دقة الطلبات بصورةٍ متواصلة، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء، فالنازحون الذين أمضوا مواسم طويلة داخل الخيام، يحاولون إصلاح ما يمكن إصلاحه وإضافة هياكل جديدة إلى أماكن إقامتهم، تحسبًا للأمطار وما قد تسببه من معاناة داخل خيامهم.
لكن عمل أبو دقة يتجاوز إصلاح الهياكل أو صناعة قطع منفردة، فهو يصنع من الحديد المستخرج من الركام والمعاد استخدامه شققًا كاملة، في محاولة لتوفير أماكن أكثر ملاءمة للعائلات التي تعيش في ظروف نزوح قاسية.
هنا، يأخذ الحديد شكلًا جديدًا تمامًا.. القضبان التي كانت يومًا جزءًا من بيت مدمّر تصبح جدرانًا وهياكل لمساحة سكنية أخرى، فيما تتحول قطع أخرى إلى أسرّة وخزائن ومطابخ، وفق احتياجات من يطلبونها.
ومع اقتراب الشتاء، تتسع الحاجة إلى هذه الأعمال، فالنازحون الذين عاشوا مواسم طويلة داخل الخيام يحاولون تحصين ما لديهم، وإضافة ما يمكن من هياكل تساعدهم على مواجهة المطر والبرد.
وبالنسبة إلى أبو دقة، فإن تحويل الحديد الخارج من الركام إلى مساحات للسكن وتجهيزات مختلفة هو ما يمكن إنجازه بإمكانات محدودة في قطاع أنهكته حرب الإبادة، فيما لا تزال مواد الإعمار وفرص إعادة البناء بعيدة عن متناول السكان.
