غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في قاعة بسيطة شُيّدت على هيئة خيمة تراثية فلسطينية بمدينة غزة، جلست 10 فنانات شابات أمام لوحات بيضاء، وأمسكت كل واحدة منهن بالريشة والألوان، في محاولة لاستعادة تفاصيل غابت عن حياتهن خلال سنوات الحرب والنزوح.
"كان هناك" هي ورشة فنية، نظّمها مشروع "ديرة"، الذي لا ينظر للألوان على أنها مجرد أدوات للرسم، بل وسيلة للحديث عن أشياء فقدتها الفنانات المشاركات، وبيوت غادرنها قسرًا، وذكريات يخشين أن تطويها سنوات حرب الإبادة.

حول طاولةٍ خشبيةٍ متواضعة انهمكت كل فنانة بالرسم، إحداهن ترسم بيتًا هدمته الحرب، وتستعيد أخرى مكانًا لم يعد موجودًا، بينما تحاول ثالثة تجسيد شعورٍ بالأمان لم يعد جزءًا من حياتها اليومية.
وبينما تنشغل الفنانات باللوحات، تبدو القاعة مساحة للبوح الصامت، تتحول فيها التجارب القاسية إلى أعمال تحفظ الذاكرة وتمنحهن فرصةً للتعبير والتعافي.
تقول الفنانة التشكيلية والناشطة المجتمعية القائمة على المشروع فرح عجور لـ"نوى": "الفن بالنسبة لي هو المساحة الأولى والأهم في حياتي، واللغة التي أستطيع من خلالها التعبير عن نفسي وعن كل ما أعيشه".

من هذه الرؤية انطلق مشروع "ديرة"، الذي تصفه فرح، بأنه "الملجأ أو البيت الآمن والمكان الذي يلتئم فيه الأثر"، ليكون مساحة فنية للشابات اللواتي فقدن مراسمهن وأدواتهن بسبب الحرب، التي دمرت أغلبية المراسم الخاصة والعامة والمكتبات والمراكز الثقافية.
ويمتد المشروع بين مدينتي غزة ونيويورك الأمريكية، ويعمل على توفير المكان والأدوات الفنية التي أصبحت شبه معدومة في القطاع المدمر والمحاصر، إضافة إلى توظيف الفن وسيلة للتعافي النفسي وإيصال أصوات الفنانات وتجاربهن إلى العالم.
ولد مشروع "ديرة" من رحم الحرب وتداعياتها، واستهدف بالدرجة الأولى فنانات عشن الخسائر البشرية والمادية، واختبرن النزوح والتشرد وفقد المراسم والأدوات.
تضيف فرح: "الحرب أخذت منا الكثير، لكن المشروع يحاول توفير مساحة نتنفس من خلالها، ونسترجع جزءًا من هويتنا المحاصرة".

وتأتي ورشة "كان هناك" كأولى فعاليات المشروع، وتقوم فكرتها على رسم كل ما فقدته المشاركات خلال الحرب، سواء أقارب وأحبة وأصدقاء أو أشياء مادية ذات أثر، أم مشاعر مثل الأمان، وتحويلها إلى أعمال فنية تحفظ حضورها في الذاكرة.
والهدف -برأي فرح- لا يقتصر على تخليد الذكريات، بل يشمل توفير مساحة للتعافي، مشيرة إلى أن المشروع يعتزم مواصلة سلسلة الورش الموجهة إلى الشابات، والتحضير لورش أخرى تلبي احتياجات فنية ونفسية أوسع.
وبين المشاركات، تقف الفنانة الشابة مرح خالد (18 عامًا)، النازحة من بلدة بيت حانون المدمرة كليًا شمالي القطاع، أمام لوحتها التي اختارت أن تجسد فيها المنزل، وعنه تقول لـ "نوى": "المنزل أكبر شيء فقدته من بداية الحرب"، مستحضرةً تجارب مريرة من التنقل القسري مع أسرتها بين أماكن النزوح والخيام.
وترى في مشاركتها فرصة للتعبير عن المشاعر التي تراكمت داخلها، خصوصًا أن الحصول على أدوات الرسم أصبح أمرًا صعبًا في ظل ارتفاع الأسعار وإغلاق المعابر.

بدأت مرح الرسم منذ طفولتها، ومن وحي تجربة الحرب القاسية قررت تطوير موهبتها واستخدامها وسيلة للمقاومة والاستمرار.
وتشير إلى أنها عندما لم تجد ورق الرسم أو الأقلام، لجأت إلى أوراق الكتب وكرتون طرود المساعدات الإغاثية، واستخدمت الحبر وما توفر من مواد، ولونت بكل شيء حولها حتى بالسواد الذي يعلق بطنجرة الطبخ على نار الحطب.
وخلال الحرب أنجزت مرح أكثر من 700 عمل فني، وثقت فيها مشاهد من الحياة الغزية، بينها الأمهات والأطفال والأسرى والشهداء والصحفيون والأطباء، إلى جانب الجوع والخوف والفقد.
تقول: "تلك الأعمال تمثل بالنسبة إلي الشاهد الوحيد على ما عشته وأهل غزة، وعلى أن الفن لم يعد مجرد هواية، بل وسيلة لتوثيق التجربة وإيصال صوتي وأصوات المقهورين إلى العالم".
"الحرب أثرت في حياتي الشخصية والفنية، وحرمتني تقديم امتحان الثانوية العامة، حيث فقدت عددًا من أفراد عائلتي".
ومن جهتها، وجدت طالبة الطب البشري في جامعة الأزهر بغزة بيسان إبراهيم الصواف (19 عامًا)، في الورشة فرصة لاستعادة علاقتها بالألوان والفرش بعد انقطاعٍ فرضته الحرب، التي بدأت منذ طفولتها ونشأتها في أسرةٍ تهتم بالفن، وطورت تجربتها على مدى نحو 9 سنوات.
وتقول بيسان لـ "نوى": "الحرب أثرت في حياتي الشخصية والفنية بصورة عميقة، وحرمتني تقديم امتحان الثانوية العامة (التوجيهي)، حيث فقدت عددًا من أفراد عائلتي، بينهم شقيقي الأصغر وجدي وجدتي وعمي وأفراد أسرته".
كما فقدت منزلها ومرسمها الخاص الذي دمرته الحرب كليًا، وضاعت لوحاتها وأدواتها، فيما اضطرت وأسرتها إلى استخدام ما تبقى منها وقودًا للنار في ظل أزمة حادة في غاز الطهي، خاصة خلال فترات المجاعة.

ترى بيسان أن الحرب أعادت تشكيل رؤيتها الفنية، فبعدما كانت الأدوات متاحة، أصبحت أبسط الأشياء تحتاج إلى جهد كبير للحصول عليها، وانعكس ذلك على أعمالها التي باتت أكثر سوداوية.
لقد أعادت ورشة "كان هناك" شيئًا من الألوان إلى تجربة بيسان، ومنحتها مساحة لتبادل الأفكار والعودة إلى الرسم بعد فترة من الانقطاع.
في هذه الورشة تتحول لوحات فنانات غزة الشابات إلى أكثر من أعمال فنية. إنها أرشيف بصري لذاكرة شخصية وجماعية، تحفظ منازل وأشخاصًا وأماكن ومشاعر اقتلعتها الحرب من الحياة اليومية.
وبحسب فرح فإن لاختيار اسم الورشة دلالة واضحة، "نريد أن نقول من خلال (كان هناك) أن الشيء كان موجودًا.. وما زال موجودًا، وحتى عندما يغيب المنزل أو المرسم أو الشخص، يبقى أثره في الذاكرة، وأن الريشة هي وسيلتنا لإبقائه حاضرًا".
