جوافة غزة.. نجت من الصواريخ لتموت عطشًا!
تاريخ النشر : 2026-09-14 07:48

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على ما تبقّى من أرضه، يتنقل المزارع عمر الأسطل بخطىً مُثقلة. يتفقد أشجار الجوافة الناجية ويحاول يائسًا إبقاءها على قيد الحياة.

في قطاع غزة، تبدلت ملامح المشهد الزراعي جذريًا تحت وطأة حرب الإبادة، فمن أصل 25 دونمًا كان يزرعها كل موسم، لم يتبقَّ له سوى 15 دونمًا تحتضن نحو 500 شجرة جوافة.

حتى صخب العمال الذي كان يملأ المكان في موسم الحصاد الممتد من مطلع أيلول/ سبتمبر حتى أواخر تشرين أول/ أكتوبر، صمت تمامًا، إذ تقلّص عددهم من 25 عاملًا، كانوا يعتمدون في أرزاقهم على مواسم الحصاد إلى 12 فقط.

انهار إنتاج الجوافة بصنفيها "البيضاء" و"الهندية" في مزرعة الأسطل بنسبة (60%) لغياب الأسمدة، وباتت الأدوية الزراعية بالنسبة له كابوسًا ماليًا.

يستذكر الرجل كيف كانت مزرعته تفيض بإنتاجٍ وفير، قبل أن تضرب الإبادة كل شريان في دورة الإنتاج، بدءًا من المياه والطاقة، وصولًا إلى الأسمدة والأدوية الزراعية.

وأمام هذا الخنق المتعمد، وجد نفسه مجبرًا على الاعتماد على طاقة شمسية شحيحة لتأمين المياه، ومضطرًا لاتخاذ قرارات قاسية بالتخلي عن بعض الأشجار لإنقاذ غيرها.

يقول بمرارة: "في شجر ضحينا فيه بسبب قلة المي"، موضحًا أن يومه بات صراعًا للموازنة بين ما يتوفر من طاقة، في ظل استحالة تشغيل المولدات لغلاء السولار والزيت.

ولا تتوقف معاناة الأسطل عند حدود العطش، فقد انهار إنتاج الجوافة بصنفيها "البيضاء" و"الهندية" بنسبة 60% لغياب الأسمدة، وباتت الأدوية الزراعية -التي تحتاجها الأشجار بواقع أربع رشات موسمية لمكافحة الدودة والحشرة القطنية والمن- كابوسًا ماليًا.

وقد قفزت أسعار بعض العبوات من 50 شيكلًا إلى ألف شيكل، ورغم ذلك تُباع بصلاحية منتهية، ما يجبره على مضاعفة الكميات وتقصير فترات الرش. يختزل الأسطل مشهد البنية التحتية المتهالكة لمزرعته بالقول: "البرابيج مقطعة بنرقعها، والغواطس تعبانة.. الحياة كلها ترقيع بترقيع".

ليس بعيدًا عنه في أراضي المواصي، يتجرع المزارع أبو محمود قبلان مرارة الكأس ذاته. يقطف برفقة عماله حبات الجوافة من أرض تقلصت مساحتها من 90 دونمًا إلى 30 فقط.

يصف قبلان بغصة كيف اضطر لاقتلاع أشجاره بعد أن فتك بها العطش والمرض، ويرتب ثمار الجوافة في الصناديق الكرتونية، قائلًا: "إحنا عايشين نص حياة مش حياة كاملة.. نحاول العمل بأقل الإمكانيات في ظل غياب كل شيء".

هذه المآسي الفردية ليست سوى انعكاس لانهيار زراعي شامل، إذ تكشف بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن (3%) فقط من أراضي غزة الزراعية ما زالت صالحة للوصول ولم تتضرر، وهو ما يوضحه الخبير الزراعي نبيل أبو شمالة، مبينًا أن هذه النسبة تعادل (4500) دونم من أصل (152) ألفًا، وأن المساحات القليلة الناجية تحتاج لجهود مضنية لإزالة الركام، وردم الحفر، وتطهيرها من مخلفات الصواريخ.

انسحب هذا الدمار الممنهج على سوق الجوافة، حيث تقلصت المساحات المنتجة من (1800) دونم إلى قرابة (150) دونمًا، ليقفز سعر الكيلو من ثلاثة شواكل إلى أكثر من عشرين.

وقد انسحب هذا الدمار الممنهج على سوق الجوافة، حيث تقلصت المساحات المنتجة من (1800) دونم إلى قرابة (150) دونمًا، ليقفز سعر الكيلو من ثلاثة شواكل إلى أكثر من عشرين.

وفي قطاعٍ تعتمد فيه نحو 100 ألف أسرة على الزراعة، لا يعني فقدان الدونم مجرد خسارة محصول، بل هو بترٌ لفرص العمل، وقطعٌ للأرزاق، وضربة قاضية للأمن الغذائي لمئات الآلاف من الجوعى.