غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تعد الأربعينية ابتسام السقا تنتظر الطرد الغذائي الذي يصلها كل ما يزيد قليلًا على شهر من برنامج الأغذية العالمي، كما كانت تفعل من قبل.
في كل مرة، يذهب أحد أبنائها على مضض لاستلامه، بعدما حفظت الأسرة محتوياته المتكررة، وباتت تعرف مسبقًا ما الذي سيحمله الطرد إليها.
في حوش منزلها المتضرر جزئيًا بسبب التوغل البري لقوات الاحتلال في منطقة حمد شمال خانيونس، جنوبي قطاع غزة، تتكدس بعض المواد الغذائية التي حصلت عليها في توزيعات سابقة، فيما تؤكد أن جزءًا منها لم يعد يلبي احتياجات أسرتها.
تقول لـ"نوى": "ربما كنا في وقت سابق، أثناء انعدام الخيارات واشتداد الحصار الذي أفضى إلى مجاعة طالت الجميع، نتمنى مثل هذا الطرد. كان بالنسبة لنا مثل نجدة، لكننا اليوم، وبعد كل ما عانيناه من مجاعة وانعدام لكل مقومات الغذاء، بحاجة إلى ما يعيد لنا جزءًا من صحتنا وصحة أبنائنا".

تفتح السقا أحد الطرود وتتفقد محتوياته، وتشير إلى أكياسٍ من الأرز والعدس. تخبرنا: "بعضها لا ينضج مهما بقي على النار، إلى جانب معلبات لم تعد أسرتي ترغب في استهلاكها بعد سنوات الإبادة، ولا سيما أن الأسواق باتت تحتوي على مختلف أصناف الطعام".
ولا تقف مشكلتها عند محتويات الطرد، إذ توضح أنها لم تستفد حتى الآن من نظام القسائم أو الأكواد التي تتيح لبعض الأسر الحصول على مساعدات وفق آليات مختلفة، مضيفةً: "أنا أرملة وأم لأيتام، لكن حتى اليوم لم نحصل على أي كود".
حتى مكان التوزيع يتحول إلى عبء آخر. فالسقا، التي تقيم بالقرب من شارع 5، تضطر إلى التوجه لمنطقة بير 20 لاستلام المساعدة، ما يحمّلها تكلفة مواصلات تقول إنها قد تتجاوز أحيانًا قيمة المواد التي تحصل عليها.
تطالب السقا بإعادة النظر في آلية توزيع المساعدات، وإعادة هيكلة محتويات الطرود وفق الاحتياجات الفعلية للسكان.
وتطالب بإعادة النظر في آلية توزيع المساعدات، بحيث تؤخذ أماكن إقامة الأسر المحدثة في الاعتبار، إلى جانب إعادة هيكلة محتويات الطرود وفق الاحتياجات الفعلية للسكان، ومراعاة عدد أفراد الأسرة، وزيادة كميات الدقيق للأسر الكبيرة.
ولا يختلف جهاد حسن عن السقا في رؤيته لطبيعة المساعدة المقدمة، إذ طالب عبر صفحته على "فيسبوك" بتغيير محتويات الطرد الغذائي الذي توزعه منظمة الأغذية العالمية، واستبداله بآخر أكثر شمولية للمواد الأساسية التي يحتاجها المواطنون والنازحون في غزة، أو بقسائم شرائية تتيح للأسر شراء الخضروات والفواكه واللحوم التي يحتاجها أفرادها.

هذا الاستياء لا يبدو فرديًا، إذ يلجأ آلاف المواطنين إلى بيع جزء من محتويات الطرود التي يتلقونها، بحثًا عن مبلغ نقدي يمكنهم من شراء احتياجات أكثر إلحاحًا، في ظل تكدس الأرز والعدس ومعلبات الفاصولياء والفول في الخيام.
ولا يرى الصحفي والباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن المشكلة تكمن في كمية المساعدات التي تدخل إلى قطاع غزة وحدها، بل في طبيعتها وتركيبتها أيضًا.
ويقول لـ"نوى": "المشكلة الاقتصادية الحقيقية في غزة تتمثل بسوء تركيبة المساعدات، وليست بقلتها فقط"، موضحًا أن المعلبات والعدس والطحين مكونات تتكرر في معظم الطرود الغذائية، إلى درجة تراكم كميات منها لدى الأسر وفي الخيام، في وقت تغيب فيه أصناف أساسية، مثل الخضروات واللحوم والحليب والمنظفات ومستلزمات الإيواء.
أبو قمر: "بيع بعض الأسر جزءًا من المساعدات لا يعني أنها لا تحتاجها، بل قد يكون وسيلة لتحويل فائض من مواد لا تحتاجها إلى نقود تمكنها من شراء ما ينقصها".
ويوضح أبو قمر أن بيع بعض الأسر جزءًا من المساعدات لا يعني بالضرورة أنها لا تحتاج إلى الغذاء، بل قد يكون وسيلة لتحويل فائض من مواد لا تحتاجها إلى نقود تمكنها من شراء ما ينقصها فعليًا.
ويؤكد أن قياس الأمن الغذائي لا ينبغي أن يعتمد على عدد الشاحنات التي تدخل القطاع فقط، بل على مدى توافق محتوياتها مع الاحتياجات الحقيقية للسكان، محذرًا من أن غياب التنويع قد يحوّل جزءًا من المساعدات، بدل أن يكون وسيلة لتخفيف الأزمة، إلى عبء إضافي على الأسر والسوق.
ومن جانبه، يستهجن الكاتب والحقوقي مصطفى إبراهيم استمرار اعتماد بعض المؤسسات على طرود غذائية ثابتة المكونات، رغم تغير احتياجات السكان خلال سنوات الإبادة.
إبراهيم: "القسائم الشرائية أو المساعدات النقدية قد تكون خيارًا أكثر ملاءمة في بعض الحالات، خصوصًا للأسر الأكثر فقرًا واحتياجًا".
ويتساءل إبراهيم عن مدى استفادة الناس منها فعليًا، مشيرًا إلى أن بعض الأسر تبيع محتويات الطرود أمام مراكز التوزيع، وهو ما يراه مؤشرًا على وجود فجوة بين ما تقدمه المساعدات وما يحتاجه السكان.
ويرى أن القسائم الشرائية أو المساعدات النقدية قد تكون خيارًا أكثر ملاءمة في بعض الحالات، خصوصًا للأسر الأكثر فقرًا واحتياجًا، لأنها تمنحها مساحة لاختيار المواد التي تحتاجها فعلًا.
ويضيف أن احتياجات السكان لا تتوقف عند الأرز والعدس، بل تشمل الدجاج والخضروات وغيرها من الأغذية الطازجة، داعيًا المؤسسات الإنسانية إلى مراجعة برامجها بصورة دورية، واستطلاع آراء المستفيدين والتعرف إلى احتياجاتهم المتغيرة.
