غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
ثلاث سنواتٍ من الحرب كانت كافية لغياب كثيرٍ من الأطباق عن موائد غزة، حتى تلك التي بدت يومًا جزءًا عاديًا من تفاصيل الطعام والحياة.. الفلفل الأحمر مثلًا.
هذا الصيف، عاد "الفلفل الأحمر الغزاوي" إلى الأسواق بإنتاجٍ متواضع، لكنه حمل إلى موائد الغزيين أكثر من مجرد طعمٍ حار، حمل شيئًا من ذاكرة الأيام التي سبقت الحرب، ومن الأرض التي يحاول مزارعوها اليوم إعادة إحيائها من بين الركام.
محمد وادي، من سكان حي الصفطاوي شمالي قطاع غزة، عاد ليتذوق من جديد طعم الفلفل الأحمر الذي تربى على نكهته منذ طفولته، وظل حاضرًا في معظم وجبات الإفطار التي تناولها طوال أربعين عامًا.
هذا العام، جاء الموسم بإنتاج متواضع، لكنه وصل إلى الأسواق المحلية، مانحًا الغزيين فرصة لاستعادة نكهة افتقدوها طويلًا.
يقول وادي لـ"نوى": "هذه النكهة الحرّاقة يعرفها سكان غزة تقريبًا، كما يعرفها كل من زار القطاع قبل الحرب"، ملفتًا إلى أن مزارعي حي الشيخ عجلين، الواقع جنوب غربي مدينة غزة، وبلدة بيت لاهيا شمالًا، كانوا من أشهر مزارعيه على مدار سنوات طويلة.
لكن تلك الزراعة غابت خلال الحرب، كما غابت معها أصناف كثيرة من المنتجات الزراعية المحلية.
ومع الهدوء المزعوم، المرافق لإعلان وقف إطلاق النار، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ناحية الخط الأصفر في أكتوبر/تشرين الأول 2025م، تمكن عدد من المزارعين من العودة إلى أراضيهم، ليبدأوا استصلاح ما خلفه التجريف والدمار، ثم يعودوا إلى زراعة أشتال الفلفل الأحمر من جديد.
هذا العام، جاء الموسم بإنتاج متواضع، لكنه وصل إلى الأسواق المحلية، مانحًا الغزيين فرصة لاستعادة نكهة افتقدوها طويلًا.
"لما سمح الاحتلال بإدخال بعض الأصناف، استورد بعض التجار الفلفل الأحمر من الخارج، لكن الطعم واللون والرائحة لم تكن تشبه فلفل غزة أبدًا".
يقول وادي: "كانت غزة قبل حرب الإبادة تنتج أفضل وأجود أنواع الفلفل الأحمر المخروط في العالم. وقد سافرت خلال سنوات شبابي إلى دول عدة، وفي كل منها كنت أبحث عن منتج قريب من الفلفل الأحمر الذي تنتجه غزة، وأفشل في إيجاد أي طعم قريب منه".
ويضيف: "منذ بدء الحرب اختفت كل السلع والمنتجات الزراعية من غزة تقريبًا، وبعد شهور، لما سمح الاحتلال بإدخال بعض الأصناف، استورد بعض التجار الفلفل الأحمر من الخارج، لكن الطعم واللون والرائحة لم تكن تشبه فلفل غزة أبدًا".
ولأن الفلفل بالنسبة إليه لم يكن مجرد صنفٍ على المائدة، ظل غيابه حاضرًا في ذاكرته. يقول: "من كثر عشقي له كنت كثيرًا أفتقده وأنتظر بفارغ الصبر عودة إنتاجه في القطاع".
لذلك كانت رؤية بعض الباعة يعرضون في أسواق القطاع خلال الأسابيع الماضية الفلفل الأحمر المنتج محليًا، كفيلة بإشعال فرحةٍ تبدو أكبر من حجم المحصول نفسه.

ولم تكن عودة الفلفل الأحمر إلى الأسواق منفصلة عن عودة أناسٍ آخرين إلى الأرض. أيمن شملخ، مزارع يبلغ من العمر 38 عامًا، عاد مع إخوته وأبنائه إلى أرضهم الزراعية في منطقة الشيخ عجلين، بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.
كانت أرضه، التي تبلغ مساحتها عشرة دونمات، تنتظر من يعيد إليها الحياة. يقول لـ"نوى": "حينما عدنا لتفقد أرضنا الزراعية، وجدنا دمارًا وتجريفًا واسعًا، ولم نكن نعلم من أين سنبدأ لنعيد إحياءها".
لكنهم بدأوا بما توفر لديهم. يضيف: "بعد وقت قررت أنا وإخواني وأولادنا البدء بالعمل فيها بأدوات بدائية بسيطة، وقررنا زراعة محصول الفلفل الأحمر والخيار".
لم يكن اختيار الفلفل عشوائيًا بالنسبة إليهم، فهو كما يقول شملخ، من أشهر محاصيل غزة قبل الحرب، ويرتبط بتاريخها وتراثها، فضلًا عن جودته العالية ونكهته التي يحبها الصغار والكبار، ودخوله في إعداد أصناف كثيرة من الطعام، وحضوره على موائد الإفطار والعشاء في البيوت.
وبدأ شملخ ومن معه من المزارعين باستصلاح الأرض وزراعتها خلال الشتاء بأشتال الفلفل الأحمر، ثم الاعتناء بها في ظروف بالغة الصعوبة، من قلة الإمكانيات وشح مياه الري، إلى الاستهدافات الإسرائيلية، حتى جاء موعد الحصاد خلال فصل الصيف الحالي.

يصف شملخ الإنتاج بأنه "مُرضٍ"، لكن ما كان أكثر أهمية بالنسبة إليه هو استقبال الناس لهذا المحصول وعودة الفلفل إلى الأسواق بعد غياب.
ويتذكر أن أحد المواطنين شاهده والمزارعين وهم ينقلون أكياس الفلفل الأحمر إلى السوق، فناداهم بصوت عالٍ: "رجعتوا الحياة إلنا، الله يجبر بخاطركم".
سعر الفلفل -يا للأسف- حمل أثر الحرب معه، يقول شملخ: "إن الأسعار ارتفعت إلى نحو ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، بسبب ارتفاع تكاليف الزراعة والري، وندرة المبيدات الحشرية والمستلزمات الزراعية الأخرى"، موضحًا أن سعر كيلوغرام الفلفل الأحمر كان قبل الحرب لا يتجاوز خمسة شواكل، فيما تراوح اليوم بين 15 و20 شيكلًا.
ولم يكن الفلفل الأحمر وحده من ضحايا الحرب، فالقطاع الزراعي في غزة تلقّى ضربةً واسعة، طالت الأراضي والمحاصيل ووسائل الإنتاج، وأبعد كثيرًا من المزارعين عن أراضيهم.
وبحسب المتحدث باسم وزارة الزراعة رأفت عسلية، كان قطاع غزة ينتج سنويًا نحو 8 آلاف طن من الفلفل الأحمر والأخضر معًا، وكانت زراعته تمتد على مساحة تقارب 2100 دونم.
الأهالي يعتمدون حاليًا بدرجة كبيرة على الفلفل المستورد، فيما لا يتجاوز الإنتاج المحلي عشرات الأطنان، ولا يغطي سوى جزء بسيط من الاستهلاك في القطاع.
"لكن الحرب أوقفت إلى حد بعيد دورة الإنتاج المحلية"، يستدرك، مشيرًا إلى أن محصول الفلفل كان من بين المحاصيل الزراعية التي تضررت بفعل الحرب.
ويوضح عسلية أن الأهالي يعتمدون حاليًا بدرجة كبيرة على الفلفل المستورد، فيما لا يتجاوز الإنتاج المحلي عشرات الأطنان، ولا يغطي سوى جزء بسيط من الاستهلاك في القطاع.
وهكذا، عودة الفلفل الأحمر إلى أسواق غزة ليست مجرد عودة محصول موسمي بعد انقطاع، هي أيضًا علامة صغيرة على أن الأرض رغم ما أصابها، ما زالت قادرة على استعادة عافيتها.
