غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بجانب ركام منزل عائلته المدمّر، قرب قرية المغراقة وسط قطاع غزة، يقضي الفتى عزمي عياش (14 عامًا)، ساعات طويلة يعزف ألحانًا تعيده، ولو في خياله فقط، إلى حضن أمه التي رحلت برصاصة غادرة أصابتها في خيمة النزوح.
على مدار أكثر من عام، لم يتوقف عن محاولة تعلّم العزف على الناي. ينفخ في قطعة بربيش صنعَ فيها ثقوبًا بعناية ودقة، حتى تدور به الأرض، فيتوقف قليلًا. يمسك رأسه، ويلتقط أنفاسه المتعبة، قبل أن يعيد المحاولة من جديد.
لم يكن يملك نايًا حقيقيًا، ولا غرفة هادئة يتدرّب فيها بعيدًا عن ضجيج مخيمات النزوح، لكنه كان يملك جدًّا يتقن العزف، وإرادة حقيقية لخوض هذا الفن.

يقول والده ماهر عياش لـ"نوى": "تعرّض أطفالي الأربعة لصدمة بعد أن استشهدت والدتهم أمام أعينهم قبل عامين تقريبًا، حين كنا قد نزحنا من النصيرات إلى الزوايدة باعتبارها منطقة آمنة، حتى جاءت الفاجعة على هيئة رصاصة طائشة استقرت في جسد زوجتي".
ويتابع: "بعد استشهادها، أخذت أطفالي وتوجهت إلى مواصي خان يونس، باحثًا عن أي مكان آمن، وعن أي وسيلة أعوّضهم بها ولو قليلًا عن فقدان أمهم. حينها كان والد زوجتي، وهو عازف ناي محترف، قد لحق بنا إلى الجنوب".
هناك بدأت تتشكّل علاقة عزمي بالناي.. كان الأطفال يلتفون حول جدهم وهو يعزف ألحانًا حزينة، ويشاركونه الغناء، إلى أن طلب عزمي منه أن يعلّمه.
يقول الأب: "شعر جده بالأسى لأنه فقد كل آلاته، ولم يكن يملك ما يدرّب به حفيده، حتى وقعت عينه على البرابيش الزراعية (خراطيم المياه) المنتشرة في مكان نزوحنا، فصنع من قطعة بربيش أسود نايًا، وطلاه بلون فضي ليقترب من شكل الناي الحقيقي".
أيام طويلة قضاها عزمي إلى جوار جده، يحاول أن يخرج صوتًا، ثم يحوّله إلى نغمة. يقول: "كثيرًا ما فشلت محاولاتي، وأنفاسي كادت تنقطع، لكن بداخلي رغبة حقيقية في أن أعزف مقاطع تعبّر عن حبي لأمي، وعن اشتياقي لها".

ويضيف: "مع الوقت بدأ الصوت يخرج، رغم ثقل النفخ، لأن العزف على البربيش يحتاج إلى جهد أكبر بكثير من الناي الحقيقي، لكنه كان وسيلتي لأعود إلى أيام كنا فيها معًا، قبل أن تخطفها رصاصة".
"كل ما أعزف، بتذكر أمي"، يكفيه أن يرفع الناي إلى فمه لتعود أمه، ولو لدقائق. لم يعد الناي بالنسبة إليه مجرد آلة موسيقية، بل مساحة يفرّغ فيها حزنه وغضبه واشتياقه، وحين نجح للمرة الأولى في العزف بصورة جيدة، يقول: "حسيت شعور حلو، حسيت إني عملت إنجاز كبير".
يقول والده: "أحاول تعويضهم بشتى الطرق؛ عزمي وجد ضالته في الناي، وشقيقه محمد يبدع بالغناء، وحتى شقيقتهم الصغرى تشاركهم.. كلهم يبحثون عما يعيد إليهم طفولتهم وحضن أمهم الغائب".
لكن حياة عزمي لا تقتصر على الناي. فهو، كغيره من أطفال غزة، يحمل المياه ويقطع مسافات طويلة لتعبئة الجالونات تحت الشمس، ثم يعود بها على عربة يجرّها بيديه الصغيرتين.
يقول: "قبل الحرب ما كنت أعرف إنه في حاجة اسمها تعبئة مي"، ويتحدث عن الذهاب والعودة، وعن حمل الجالونات الثقيلة، وعن التعب الذي يترك أثره في جسده الصغير، ثم يجد، بين كل ذلك، وقتًا للناي، كأن الموسيقى هي الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يهرب إليه قليلًا من تفاصيل لم يكن ينبغي لطفل أن تصبح جزءًا من يومه.
كل ما يتمناه عزمي اليوم أن تتوقف الإبادة، وأن يتوقف قتل الأطفال، وأن يتمكن يومًا من السفر ليتعلم أكثر في عالم الموسيقى والعزف.
ولفترة طويلة، ظل عزمي يحلم بناي حقيقي. يقول والده إنه حصل عليه أخيرًا هدية، بعدما نشرت صحفية مقطع فيديو له وهو يعزف على نايه البلاستيكي.
يشرح الفرق بينهما ببساطة: "العزف على البربيش كان يحتاج نَفَسًا كبيرًا ويتعبني بسرعة، أما الناي الحقيقي فخفيف جدًا، بنفخ عليه وأنا مرتاح، وصوته أجمل".
كل ما يتمناه عزمي اليوم أن تتوقف الإبادة، وأن يتوقف قتل الأطفال، وأن يتمكن يومًا من السفر ليتعلم أكثر في عالم الموسيقى والعزف، حاملًا معه النغمة الأولى التي لم تخرج بسهولة يومًا، لكنها مثل حلمه.. لم تتوقف.
