قططٌ تحرس "الحياة" في خيام النازحين بغزة!
تاريخ النشر : 2026-08-31 16:10

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تعد أم أحمد عامر تعرف أيهما أعلى في خيمتها، صوت الفئران وهي تتنقل ليلًا بين الأطباق وقطع الفراش، أم صوت قلبها يخفق خشية أن تصل أسنانها إلى أطفالها مرة أخرى.

الثلاثينية التي عادت إلى منطقة السطر الغربي، بخانيونس، جنوبي قطاع غزة، وأقامت مع أسرتها قرب ركام منزلها، جربت كل ما تعرفه من وسائل للتخلص من القوارض، لكن محاولاتها كلها باءت بالفشل.

في غزة، لم تعد الفئران تهاب وجود البشر، تتجول في المكان بحرية، وتدخل حيث تشاء، حتى وصلت إلى ملابس أطفالها فمزّقتها بأسنانها جميعًا. تقول لـ"نوى": "الفئران لم تعد تخشانا. تتنقل في المكان كما لو كان المكان لها، ونحن الضيوف عندها".

لم يكن الركام القريب من خيمتها وحده مصدر الخطر، فالعيش إلى جوار منزل مدمر، وفي محيط تنتشر فيه القوارض والأفاعي والحشرات، وبالقرب من مكب للنفايات، جعل العائلة في مواجهة خطر لا يراه النازحون دائمًا، لكنه يتسلل إليهم من الشقوق وتحت الأغطية وحول الطعام.

ولأن أم أحمد لم تجد ما يكفي من الوسائل التي تردّ عنها بواسطتها هذا الخطر، لجأت إلى حيلة بدت أبسط من كل ما جربته من قبل.. أحضرت قطة ووضعتها في المكان.

منذ ذلك الحين، قلّ ظهور الفئران، وصارت أم أحمد تنام بشيء من الطمأنينة، بعدما كان الخوف يرافقها حتى إلى فراشها.

ومع اتساع انتشار القوارض في قطاع غزة، لجأ مواطنون آخرون إلى القطط بوصفها وسيلةً طبيعية لمحاولة الحد من وجود الفئران داخل الخيام وفي محيطها.

تقول هالة ياسر: "استيقظت ذات يوم فوجدت فأرًا عض إصبع طفلتي، وفي يوم آخر عثر زوجي على عقرب في المكان، فشعرت بالخوف. كنا نستخدم المصائد التقليدية، لكنها لم تُجدِ نفعًا، لكن وجود قطة في الخيمة جعلني أنام وأنا أشعر بطمأنينة إلى حد كبير".

في حياة النزوح، حيث لا يملك الناس كثيرًا من الخيارات، يصبح ما هو بسيط في الظروف العادية وسيلةً للدفاع عن الحياة.

لكن القصة، كما يوضح المختصون، لا تتعلق بفئران تتسلل إلى الخيام فحسب، فالركام المنتشر في مختلف مناطق قطاع غزة خلق بيئةً مناسبة لاختباء القوارض وتكاثرها، إلى جانب الحيوانات الضالة والثعابين والعقارب.

ويوضح أستاذ البيئة في الجامعة الإسلامية بغزة، د. عبد الفتاح عبد ربه، أن المباني المدمرة تحولت إلى مخابئ توفر للقوارض وغيرها من الكائنات ظروفًا مناسبة للعيش، الأمر الذي يزيد من احتمالات اقترابها من أماكن وجود الإنسان، ولا سيما في مناطق النزوح.

ويشرح لـ"نوى" أن قطاع غزة يضم ثلاثة أنواع رئيسة من القوارض المتعايشة مع الإنسان، وهي: الفأر المنزلي، والجرذ النرويجي أو البني، والجرذ الأسود.

ولا تكمن خطورة تلك القوارض في استهلاك الطعام وحده، بحسب عبد ربه، وإنما في قدرتها على تلويثه ببولها وبرازها، وما قد ينتج عن ذلك من نمو الفطريات وتلوث الحبوب والمواد الغذائية.

وتحمل القوارض طفيليات داخلية وخارجية، ويمكن أن تسهم في نقل مسببات الأمراض إلى الإنسان بصورة مباشرة وغير مباشرة، "لكن آثار وجودها لا تتوقف عند الصحة الجسدية" يضيف.

د. عبد ربه: "محاولة التخلص من القوارض قد تتحول هي الأخرى إلى خطر، إذا جرى الاعتماد بصورة كاملة على السموم والمبيدات".

ويشرح أن انتشار القوارض داخل الخيام ينعكس كذلك على الحالة النفسية لسكان يعيشون أصلًا ظروفًا شديدة القسوة، "وهكذا، لا يعود الفأر مجرد حيوان يبحث عن الطعام بين الخيام، بل يصبح جزءًا من يومٍ مثقل بالخوف، ويضيف إلى النازحين عبئًا جديدًا من القلق على أطفالهم وطعامهم ومكان نومهم".

مع ذلك، يحذر عبد ربه من أن محاولة التخلص من القوارض قد تتحول هي الأخرى إلى خطر، إذا جرى الاعتماد بصورة كاملة على السموم والمبيدات.

فالاستخدام العشوائي لهذه المواد قد يعرض الأطفال أو الحيوانات المنزلية للخطر، كما قد يؤدي إلى قتل كائنات أخرى غير مستهدفة، من بينها بعض الأعداء الطبيعية للقوارض.

ولهذا يدعو إلى ما يعرف بـ"المكافحة المتكاملة"، التي تبدأ بإجراءات تبدو بسيطة، لكنها تصبح أكثر أهمية في أماكن النزوح، كالحفاظ على نظافة الخيام ومحيطها، والتخلص المنتظم من بقايا الطعام والنفايات، وعدم ترك الأطعمة والأواني مكشوفة، إلى جانب استخدام المصائد بدلًا من المواد السامة كلما أمكن.

ولا يغيب عن هذه المعالجة دور الطبيعة نفسها، إذ يشير د. عبد ربه إلى البوم، الذي يتغذى على الفئران والجرذان، بالإضافة للقطط والنمس المصري، الذي يمكن أن يتغذى على القوارض والثعابين.

د. عبد ربه: "مواجهة المشكلة تحتاج إلى تعاون بين البلديات والجهات المسؤولة عن البيئة والصحة والمياه، إلى جانب المؤسسات والمنظمات الدولية".

لكن حتى هذه المنظومة الطبيعية لم تسلم من آثار الحرب -على حد قوله- فتدمير الأشجار والمزارع أضر بأماكن غذاء هذه الحيوانات وتكاثرها، ما أضعف حضور بعض المفترسات الطبيعية التي كانت تسهم في الحد من أعداد القوارض.

ويبقى الركام في قلب المشكلة، "فإزالته تمثل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة انتشار القوارض، لأنه لا يوفر لها المأوى فقط، وإنما يتداخل أيضًا مع النفايات وشبكات الصرف الصحي المدمرة، بما يهيئ بيئة أكثر ملاءمة لانتشارها" وفقًا له.

ولذلك، يرى أن مواجهة المشكلة تحتاج إلى تعاون بين البلديات والجهات المسؤولة عن البيئة والصحة والمياه، إلى جانب المؤسسات والمنظمات الدولية.

أما أم أحمد، فلا تنتظر كثيرًا من الحلول البعيدة. بالنسبة إليها، يبدأ الأمان من داخل الخيم.. من ليلةٍ تستطيع أن تنام فيها دون أن تسمع حركةً تحت أقدام أطفالها، ومن صباح لا تكتشف فيه أثرًا جديدًا لأسنان فأر على ملابسهم. لهذا بقيت القطة إلى جوارها. حيوانٌ صغير، في خيمةٍ صغيرة، أمام ركام بيت كبير، لكنه منح أم أحمد شيئًا فقدته منذ زمن: قليلًا من الطمأنينة.