غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن عودة هناء الفرا إلى السطر الغربي في مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، نهاية رحلة النزوح، بقدر ما كانت انتقالًا إلى وجه آخر من المعاناة. فبعد أشهر قضتها داخل أحد المخيمات المنتظمة، حيث كانت تحصل برفقة زوجها وأطفالها الخمسة على خدمات ومساعدات دورية، وجدت نفسها، بعد العودة إلى جوار منزلها المدمر، خارج دائرة الاستفادة المنتظمة.
عادت هناء إلى مكان لم يبقَ فيه سوى الركام، تحمل ما استطاعت من متاعها وتحاول استعادة شيء من حياتها بين أنقاض بيتها، لكنها اكتشفت أن العودة تعني فقدان شبكة الدعم التي ارتبطت بموقع نزوحها السابق.
تقول هناء: "إن الأسرة كانت خلال وجودها داخل المخيم تحصل على المساعدات الأساسية بصورة منتظمة، لكن انتقالها إلى منطقة سكنية بجوار منزلها المدمر جعل الحصول على المياه والغذاء والاحتياجات اليومية أكثر صعوبة، خصوصًا مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية".
وتتمنى الفرا أن تتسع دائرة المؤسسات لتشمل جميع المواطنين والنازحين، كلٌّ في مكانه، وأن يكون الدعم مبنيًا على الاحتياج، لا على مكان النزوح أو الصدفة التي وضعت إنسانًا داخل مخيم دون غيره.
قصة هناء لا تبدو حالة منفردة، بل تكشف إشكالية أوسع في طريقة وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان، في ظل واقع نزوح متغير باستمرار؛ إذ تختلف فرص الحصول على الخدمات بين مخيمات منظمة تمتلك إدارة واضحة وقنوات اتصال مع المؤسسات، وبين تجمعات غير رسمية أو أسر عادت إلى مناطقها المدمرة.

بعد رحلة نزوح طويلة من القرارة إلى رفح ومدرسة القرارة ومسجد حنين وشارع المجايدة، وجدت أم خالد حماد أن المخيم المنتظم الذي تقيم فيه حاليًا في مواصي خانيونس هو المكان الأكثر استقرارًا خلال فترة الإبادة.
تقول: "الفارق بين هذا المخيم والأماكن التي نزحت إليها سابقًا كان واضحًا، بسبب توفر الخدمات بصورة أكثر انتظامًا، إذ يحصل النازحون على المياه، وطرود الخضار، والمنظفات، والأدوات المنزلية، إضافة إلى وجود مخبز داخل المخيم يوفر الخبز للنازحين".
وترى أم خالد أن وجود جهة داعمة تتابع المخيم بصورة مستمرة أحدث فرقًا في حياة الأسرة، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي طالت جميع مواطني قطاع غزة.
في الجهة المقابلة، تعيش رغدة أبو شقرة داخل مخيم يضم نحو 400 عائلة في مواصي خانيونس، وتقول: "إن سكان المخيم يواجهون تفاوتًا في مستوى الخدمات مقارنة بمخيم مجاور لا يفصل بينهم سوى شارع واحد".
نازحة: "إحنا كلنا نازحين، وكلنا تركنا بيوتنا وعشنا نفس الواقع، لكن وجودي بمكان معين هو اللي يحدد إذا كنت سأحصل على المساعدة أو لا".
وتوضح أن المخيم المجاور، بعد تبنيه من جهة داعمة، أصبح يحصل على خدمات منتظمة تشمل المياه والخيام والحمامات ووجبات الطعام وطرود الخضار، بينما بالكاد يحصل مخيمها على مساعدة واحدة كل عدة أشهر.
تقول: "إحنا كلنا نازحين، وكلنا تركنا بيوتنا وعشنا نفس الواقع، لكن وجودي بمكان معين هو اللي يحدد إذا كنت سأحصل على المساعدة أو لا".
وتشير إلى أن المخيمات التي تحظى بدعم مستمر لديها متابعة أكثر انتظامًا لاحتياجات النازحين، كما تلفت إلى وجود تحديات في توزيع بعض الخدمات داخل المخيم نفسه، موضحة أن بعض التدخلات وصلت إلى مناطق محددة دون غيرها. وترى أن وجود آلية أكثر وضوحًا لتغطية جميع الأسر يمكن أن يقلل من شعور النازحين بانعدام العدالة.
أما رنا الحسنات (41 عامًا)، فبعد أن كانت تقيم في مخيم تتوفر فيه خدمات دورية، وجدت نفسها في تجمع عشوائي بالمواصي أمام واقع مختلف تمامًا.
نازحة: "الأسرة قد تبقى أيامًا دون مياه، ولا توجد نقطة تعليمية أو طبية قريبة، وإن توفير الاحتياجات اليومية يعتمد بدرجة كبيرة على جهود النازحين أنفسهم".
تقول: "الأسرة قد تبقى أيامًا دون مياه، ولا توجد نقطة تعليمية أو طبية قريبة، وإن توفير الاحتياجات اليومية يعتمد بدرجة كبيرة على جهود النازحين أنفسهم".
وتضيف: "نحن لا نطلب شيئًا إضافيًا، نريد فقط أن نشعر أن هناك جهة تتابعنا، وأننا لسنا خارج الحسابات". وترى أن بعض المخيمات تستفيد من أكثر من جهة داعمة، بينما تحتاج تجمعات أخرى إلى آليات وصول أكثر شمولًا.
وتتقاطع هذه الشهادات مع ما رصدته تقارير أممية حديثة؛ إذ أشار مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة "أوتشا" إلى أن التواصل الميداني مع الجهات المسؤولة عن مواقع النزوح الأقل خدمة، كشف عن محدودية شديدة في وصول النازحين إلى الخدمات الأساسية.
وبحسب تحديث صادر عن المكتب في تموز/يوليو 2026م، فإن نحو (532) موقع نزوح فقط من أصل أكثر من 1500 موقع موثق في غزة يحظى بحضور فعلي لجهة متخصصة في إدارة المواقع، أي أن ثلث المواقع تقريبًا هو الذي يحظى بمتابعة منتظمة.

ويترافق ذلك مع فجوة تمويل حادة، إذ لم تتجاوز نسبة التمويل الذي وفرته الدول المانحة لخطة الاستجابة الإنسانية في غزة والضفة الغربية لعام 2026م نسبة (5%) من إجمالي 4.06 مليار دولار مطلوبة حتى نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، ما انعكس على تراجع نطاق بعض الخدمات، إذ سجلت المساعدات المخصصة للإيواء انخفاضًا بنسبة 37% بين أيار/مايو، وحزيران/يونيو 2026م وحده، بسبب نقص التمويل.
وتؤكد إيمان أحمد الأسطل، مسؤولة الاتصال والتواصل في مؤسسة "تحالف من أجل أطفال الشرق الأوسط" "MECA"، أن المؤسسة تنفذ تدخلات إنسانية تشمل الأمن الغذائي، والمياه والنظافة، والتعليم، والدعم النفسي والاجتماعي، والمساعدات الصحية وحزم الإيواء.
وتوضح أن تحديد المناطق والمستفيدين يعتمد على تقييمات الاحتياجات الإنسانية، ودرجة الهشاشة، وحجم النزوح، وكثافة النازحين، ومستوى توفر الخدمات الأساسية، بالتنسيق مع الشركاء المحليين وآليات التنسيق الإنساني.
وتشير إلى أن التجمعات غير الرسمية والمناطق الطرفية لا تُستبعد من نطاق التدخل، لكن الوصول إليها قد يتأثر بعوامل عدة، منها القيود الأمنية، وصعوبة الحركة، وتضرر البنية التحتية، والتغير المستمر في أماكن تجمع النازحين.
الأسطل: "التفاوت في مستوى التغطية يرتبط بعدة عوامل، منها صعوبة تحديث البيانات بصورة فورية، وحركة النزوح المستمرة، ومحدودية الموارد مقارنة بحجم الاحتياجات".
وتوضح أن التفاوت في مستوى التغطية يرتبط بعدة عوامل، منها صعوبة تحديث البيانات بصورة فورية، وحركة النزوح المستمرة، ومحدودية الموارد مقارنة بحجم الاحتياجات، وترى أن تحسين الوصول يتطلب تحديثًا مستمرًا للبيانات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وزيادة مرونة خطط الاستجابة.
وتوضح مؤسسة "MECA" أنها تعتمد آليات للمساءلة المجتمعية تستقبل من خلالها ملاحظات النازحين وشكاواهم، ويتم التعامل معها عبر التحقق الميداني، ومراجعة قوائم المستفيدين، ودراسة الحالات التي تشير إلى وجود احتياجات غير ملباة.
ومن جهته، يوضح محمد ورد، مدير جمعية تطوير بيت لاهيا، أن الجمعية تعتمد في تحديد المستفيدين على تقييمات ميدانية تشمل حالة النزوح، وظروف السكن، وعدد أفراد الأسرة، ووجود الفئات الأكثر هشاشة.
وأوضح أن بعض المشاريع تستهدف الأسر بناءً على مستوى الاحتياج، "بينما ترتبط مشاريع أخرى بالنطاق الجغرافي ووفقًا لشروط الجهات المانحة".
ويقر ورد بوجود فجوات في مستوى التغطية بين المناطق المختلفة، موضحًا أن ذلك يرتبط بطبيعة المشاريع المتاحة وحجم التمويل.

ويقول: "محدودية التمويل تؤثر على حجم التدخلات وعدد المستفيدين، وتجعل الأولوية للحالات الأكثر احتياجًا وفق الإمكانيات المتاحة".
في هذا السياق، يقدم شريف النيرب، الناطق الإعلامي باسم "الفارس الشهم"، تجربة عملية في محاولة التعامل مع مشكلة تغير أماكن إقامة الأسر والوصول إلى مختلف الفئات في أماكن وجودها.
ويقول: "إن المبادرة تتيح للمواطن تسجيل بياناته وبيانات أسرته ومكان إقامته، سواء كان داخل مخيم أو خارجه، مع إمكانية تحديث البيانات عند تغير مكان السكن".
ويشير إلى أن المبادرة تعتمد روابط منفصلة للتسجيل الفردي وللمخيمات، إضافة إلى قنوات مخصصة للتجمعات والمؤسسات والنقابات، بهدف بناء قاعدة بيانات للمسجلين.
ويرى النيرب أن تحديث مكان الإقامة ضروري بسبب التغير المستمر في حركة النازحين، مشيرًا إلى أن بقاء الأسرة مسجلة في منطقة أو مخيم بعد انتقالها قد يؤدي إلى توجيه المساعدة إلى مكان لم تعد تقيم فيه.
إبراهيم: "تفاوت وصول المساعدات يرتبط بعدة عوامل، من بينها وجود مخيمات وتجمعات يسهل على المؤسسات الوصول إليها".
كما يوضح أن تحديد مكان التوزيع يرتبط بمكان إقامة المستفيد المسجل، بما يقلل من الحاجة إلى انتقاله لمسافات طويلة من أجل الحصول على المساعدة.
وتبرز أهمية هذه الآلية في كونها تنقل نقطة البداية من المخيم وحده إلى الأسرة نفسها، "لكنها في الوقت ذاته تظل تجربة تحتاج إلى أن تتقاطع مع منظومة أوسع من البيانات والتنسيق والرصد الميداني، حتى تشمل الأسر التي لا تستطيع التسجيل أو لا تظهر في القوائم".
ويرى الكاتب والحقوقي مصطفى إبراهيم أن تفاوت وصول المساعدات يرتبط بعدة عوامل، من بينها وجود مخيمات وتجمعات يسهل على المؤسسات الوصول إليها، مقابل أسر تعيش خارج هذه التجمعات ولا تظهر بالقدر نفسه في منظومة الاستجابة.
ويشير إلى أن تراجع عمل بعض المؤسسات الدولية، ومن بينها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، إلى جانب القيود المفروضة على دخول المساعدات وتراجع حجمها، انعكس على قدرة المؤسسات على الوصول إلى السكان.
إبراهيم: "تراجع القدرة الشرائية جعل بعض المساعدات العينية أقل ملاءمة لاحتياجات الأسر، خصوصًا عندما تتلقى العائلة مواد غذائية محددة بينما تحتاج إلى اللحوم، أو الدجاج".
ويرى إبراهيم أن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية المساعدات، بل أيضًا بطريقة توزيعها، عادًا أن الاعتماد على المخيمات المنظمة كمدخل رئيس للاستجابة قد يترك الأسر التي عادت إلى مناطقها أو تقيم بجوار منازلها المدمرة أو في تجمعات غير رسمية خارج دائرة الاهتمام.
ويشير إلى أن تراجع القدرة الشرائية جعل بعض المساعدات العينية أقل ملاءمة لاحتياجات الأسر، خصوصًا عندما تتلقى العائلة مواد غذائية محددة بينما تحتاج إلى اللحوم، أو الدجاج، أو الخضروات، أو الفواكه ولا تملك القدرة على شرائها.
ويرى أن القسائم الشرائية والمساعدات النقدية يمكن أن تمنح الأسر مساحة أكبر لاختيار احتياجاتها، عندما تكون هذه الآليات ممكنة وآمنة.
كما ينتقد استمرار وجود فجوات في توفير الاحتياجات غير الغذائية، مثل الخيام والفرش والشوادر والمياه، مشيرًا إلى أن بعض الخيام التي توزع لا تلائم احتياجات الأسر أو ظروف استخدامها، ما قد يدفع بعض المستفيدين إلى بيعها لتوفير ثمن الغذاء.
"الحل يتطلب مراجعة أوسع لطريقة التنسيق بين المؤسسات الإنسانية الدولية والمحلية، وتوفير بيانات أشمل وأكثر تحديثًا".
ويؤكد أن الحل يتطلب مراجعة أوسع لطريقة التنسيق بين المؤسسات الإنسانية الدولية والمحلية، وتوفير بيانات أشمل وأكثر تحديثًا، وعدم الاكتفاء بالوصول إلى التجمعات التي يسهل الوصول إليها.
وبينما تتعدد التجارب والمداخل، تبدو الحاجة إلى إعادة النظر في طريقة الوصول إلى الأسر نقطة مشتركة بين مختلف الآراء المطروحة.
يبدأ ذلك بتحديث البيانات بصورة مستمرة وإنشاء قاعدة بيانات موحدة وشاملة، تشمل مكان إقامة الأسرة وعدد أفرادها وحالتها ودرجة هشاشتها، مع ضمان حماية بياناتها وخصوصيتها، وفي الوقت نفسه، تبرز آلية التسجيل الفردي التي يشرحها شريف النيرب في "الفارس الشهم" كنموذج عملي يجعل الأسرة قادرة على إدخال بياناتها وتحديث مكان إقامتها كلما تغير، بما يسمح بتتبع حركة النزوح.
ويطرح مصطفى إبراهيم "الرصد الميداني المستمر" كجزء من الاستجابة، بحيث تذهب الجهات الإنسانية إلى التجمعات غير الرسمية والأسر المقيمة بجوار منازلها المدمرة والمستأجرين، وتتعرف إلى احتياجاتهم بدل انتظار وصولهم إلى المؤسسات.
ويتكامل ذلك مع ما تقترحه "MECA" من تعزيز التنسيق بين المؤسسات وزيادة مرونة خطط الاستجابة، بحيث يمكن مشاركة المعلومات وتعديل التدخلات وفق تغير أماكن النزوح والاحتياجات.
المخيم قد يكون أكثر ظهورًا أمام المؤسسات، والأسرة خارجه قد تكون أقل قدرة على الوصول، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن احتياجاتها أقل.
وفي المحصلة، لا تبدو العدالة في توزيع المساعدات مجرد مسألة تتعلق بوصول شاحنة إلى مكان دون آخر، بل بطريقة تعريف الاحتياج نفسه، فالمخيم قد يكون أكثر ظهورًا أمام المؤسسات، والأسرة خارجه قد تكون أقل قدرة على الوصول، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن احتياجاتها أقل.
ومن هنا، فإن الاستجابة الأكثر عدالة هي التي لا تجعل عنوان الخيمة معيارًا للمساعدة، ولا تحوّل مكان النزوح إلى بطاقة عبور أو حرمان، وإنما تعتمد معايير واضحة للاحتياج تنطبق على النازح في المخيم، والأسرة في التجمع غير الرسمي، ومن عاد إلى جوار منزله المدمر، والمستأجر، بما يضمن أن تكون كل أسرة مرئية أمام منظومة الاستجابة، وأن تحدد أولويتها وفق احتياجها، وأن تتلقى نوع المساعدة الذي يناسب هذا الاحتياج، بصرف النظر عن المكان الذي اضطرتها الحرب إلى أن تعيش فيه.
