غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
داخل أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة، يصارع الشقيقان حماد ومعتصم عرفات، بجسدين رقيقين كالزجاج، مرضًا عظميًا نادرًا يحوّل أبسط حركاتهما إلى دوامة من الآلام والكسور المتكررة، في بيئةٍ تفتقر لأدنى مقومات الحياة، تعيلهما والدتهما التي ودّعت ثلاثة شهداء وحيدةً في خندق الصبر.
منذ أن بلغا من العمر ثمانية أعوام، بدأ حماد (39 عامًا) وشقيقه معتصم (31 عامًا)، يعانيان من مرض وراثي يُدعى "مرض العظم الزجاجي"، وهو ما يجعل عظامهما هشة وسهلة الكسر، لكن الإصابة بمرض نادر في غزة تعني الحكم عليهما بالموت البطيء.

تقول والدتهما لـ"نوى": "يعاني ابناي من قصور في نمو عظام القدمين، وزيادة في حجم رأسيهما وضعف سمعهما".
ولا يقتصر وجع حماد ومعتصم على إصابتهما بهذا المرض النادر، فهما يعانيان أيضًا من أورام سرطانية في يديهما، وقد ازداد وضعهما الصحي سوءًا بعد اندلاع الحرب منذ 7 أكتوبر 2023م.
قبل الحرب، كان الأطباء قد وصفوا لحماد ومعتصم علاجًا يُدعى "مياكالسيك"، وهو عبارة عن بخاخ يساعد على تثبيت العظام وحمايتها من الكسر، لكن رحلة البحث عن هذا العلاج لم تكن هينة قبل الحرب، إذ كانت أم أحمد تجده بصعوبة بالغة، ناهيك عن ارتفاع ثمنه في ذلك الوقت، الأمر الذي أثقل كاهلها لا سيما خلال الإبادة.
تضيف أم أحمد متسائلة: "قبل الحرب كنت أجده بصعوبة في الصيدلية، فكيف الآن؟"، ثم سرعان ما تجيب بنفسها قائلةً: "معجزة إذا توفّر، لكن لا يوجد أمل".

وفي الوقت الذي تفتقر فيه مستشفيات قطاع غزة للعلاج والمستلزمات الطبية، يصارع الشقيقان مرضهما النادر بلا أي علاج أو حتى تدخل طبي، مما يزيد وضعهما سوءًا حين تتعرض عظامهما للكسر.
أكثر من عامين، وحماد ومعتصم لا يتلقيان علاجهما اللازم لحماية عظامهما، مما فاقم وضعهما الصحي سوءًا، وتشير والدتهما إلى أنهما يعيشان على المسكنات فقط.
تكمل: "حين يرزقني الله من أهل الخير، أشتري لهما بيضًا أو حليبًا أو لحمًا على أمل أن يعوّض ذلك علاجهما المفقود ويحمي عظامهما من الكسور"، ملفتةً إلى أن ذلك ليس بديلًا عن علاجهما، ولكن لا حيلة بيدها.
صفٌ ضيق.. ووجعٌ لا يتسع له المكان
في ذاك الصف الصغير المعتم داخل مدرسة اليرموك غربي مدينة غزة، يعيش الشابان حماد ومعتصم في بيئة غير صحية تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
تقول والدتهما: "تشاركنا في الصف ثلاث عائلات أخرى، يفصل بيننا شادر رقيق بلا أدنى خصوصية أو حتى مساحة يمكنني تغيير مكان نومهما بها".
"تعرض حماد لكسر في رقبته حين حاولت شقيقته حمله للذهاب به للمرحاض، وحتى اللحظة رأسه مائل".
وتضيف: "هذا المكان لا يصلح لأن يعيش فيه إنسان طبيعي"، ثم تتساءل باستنكار: "كيف إذن بشابين مصابين بمرض نادر تقيّد المساحة الضيقة أنفاسهما؟".
طوال الوقت، ينام حماد ومعتصم على فرشة صغيرة أمام باب الصف، وهي المساحة المخصصة لعائلتهما. تتابع والدتهما بصوت مكسور: "أعاني من ضيق المساحة، فالمرحاض بجوار مكان نومنا، ولا يوجد متسع لنا، ناهيك عن عدم توفر فراش وأغطية لحماد ومعتصم".
تعرّض حماد ومعتصم لكسور عدة نتيجة ضيق المساحة التي يعيشان فيها، وحين سُئلت أم أحمد عن آخر موقف آلمها، أجابت: "تعرض حماد لكسر في رقبته حين حاولت شقيقته حمله للذهاب به للمرحاض، وحتى اللحظة رأسه مائل".
في تلك اللحظة، لم تعرف أم أحمد ماذا تفعل، فالمستشفى لا يوجد فيها ما يمكن إصلاح عظام ابنها المكسورة، تضيف والدموع تنهمر على وجنتيها: "ليس بيدي حيلة، ولا يوجد لديه علاج، فقط مسكن يخفف وجعه".
أمٌ تحمل أبناءها والوجع
في ذاكرة أم أحمد مواقف قاسية وصعبة عاشتها في خضم الحرب برفقة ابنيها المريضين، حتى باتت وحدها تجابه حروبًا أخرى غير حرب القصف والموت التي ذاقت مراراتها.
تستذكر باكيةً: "حين استشهد أبنائي الثلاثة، عشت حصار الشمال لوحدي، كنت طوال اليوم أبحث عن حفنة طحين تسند حماد ومعتصم، لكنني في كل مرة كنت أعود خائبة".

وعندما كانت أم أحمد تعود بحزنها، يسارع معتصم وحماد بمسح دموعها ومواساتها. تضيف: "هما من كانا يصبّران قلبي، ويخبرانني بأنهما لا يشعران بالجوع، وأن هذه الغمة ستزول قريبًا".
أما النزوح، فكانت رحلاته عبارة عن فصول من الموت بالنسبة لأم أحمد، التي شهقت شهقة وجع وقهر قبل أن تحدثنا عن ذلك. قالت: "كنا ننزح تحت رصاص طائرات الكواد كابتر وقذائف المدفعية وصواريخ الطائرات الحربية، كنت أحمل معتصم على ظهري، بينما يحمل ابني الذي استشهد حماد، نركض بهما بين النار، إلى المجهول".
حياة حماد ومعتصم على حافة الموت البطيء، في ظل احتياجهما إلى عناية طبية وغذائية عاجلة. تطالب أمهما بضرورة توفير المستلزمات اللازمة لهما من أغطية وأسرة للنوم، مختتمةً حديثها بصرخة استغاثة: "أناشد الجهات المختصة كلها بسرعة إجلاء حماد ومعتصم إلى الخارج، لعلهما يتلقيا العلاج المناسب، وتتوفر لهما بيئة صحية يعيشان فيها".
