نساءٌ ينتشلن "عيشهن" من قعر النار بغزة!
تاريخ النشر : 2026-08-23 14:18

غزة/ شبكة نوى- شيماء أبو سعدة:

في زاوية من زوايا مركز إيواء مكتظ في قلب خانيونس جنوبي قطاع غزة، تفوح رائحة الخبز الساخن ممزوجة برائحة التعب؛ هنا تقف أسماء محمد (32 عامًا) ساعات طويلة أمام فرن الحطب.. أمٌ دفعتها الحرب إلى حمل مسؤولية لم تكن مستعدة لها.

نزحت أسماء من شمالي غزة هربًا من الموت، لكنها لم تكن تعلم أن الحياة التي تنتظرها ستكون أكثر قسوة.

كانت خريجة تحاليل طبية تحلم بالعمل في مختبر لتساعد زوجها في إعالة الأسرة، إلا أن إصابته خلال الحرب وعدم قدرته على العمل دفعاها إلى البحث عن أي مصدر دخل يؤمّن الطعام لأطفالها.

تقول أسماء: "زوجي أصيب في الحرب ولم يعد قادرًا على العمل، فلم يكن أمامي إلا أن أجد عملًا أستطيع من خلاله توفير الطعام لأطفالي".

تستيقظ أسماء منذ ساعات الصباح الأولى لإعداد العجين وتجهيز الخبز، ثم تقف لساعات طويلة أمام حرارة الفرن، وفي أيام الصيف الحارة تتضاعف قسوة العمل بين حرارة الشمس ولهيب النار، وسط ظروف نزوح تستنزف جسدها يومًا بعد آخر، وتقول: "إذا لم أستيقظ مبكرًا وأعمل بهذا الشكل، فلن تجد أسرتي رغيفًا تأكله".

ولا تقف الحكاية عند حدود تجربة أسماء وحسب، ففي غزة، وجدت نساء كثيرات أنفسهن أمام الأفران، يخضن يوميًا معركة شاقة لتأمين لقمة العيش لأسرهن، بعدما دفعت الحرب بهن إلى تحمّل مسؤوليات جديدة والعمل في مهن لم يخترنها، في ظل تراجع مصادر الدخل وارتفاع الأعباء المعيشية.

بين نار الأفران وقسوة الظروف، تحولت هؤلاء النساء من ضحايا للظروف إلى معيلات يقاومن بالحطب والعجين والنار من أجل إبقاء أسرهن على قيد الأمل..

الحرب سرقت ملامح الحياة..

عالية أبو جراد (30 عامًا)، خريجة قسم التعليم الأساسي، تجسد هي الـأخرى جانبًا آخر من معاناة النساء اللواتي دفعتهن الحرب إلى مهن لم يخترنها.

تعيش عالية في خيمة قرب ميناء غزة بعد نزوح قسري استمر عامًا ونصف، وتعمل على فرن طيني صنعته بنفسها لإعالة أسرتها المكونة من ستة أفراد، مستخدمة الحطب والبلاستيك والنايلون وقودًا لإعداد المخبوزات وبيعها مقابل دخل محدود.

تبدأ عالية عملها من الثامنة صباحًا حتى السابعة مساءً، لكن ثمن هذا العمل كان تدهور صحتها، إذ تعاني من ضيق التنفس وآلام مستمرة في العينين بسبب استنشاق الأدخنة لساعات طويلة، كما تضطر لمرافقة زوجها إلى مناطق خطرة في بيت لاهيا لجمع الحطب اللازم لتشغيل الفرن، وهي رحلة تقول إنها تودع أطفالها قبلها خوفًا من ألا تعود، لكن الحاجة إلى توفير الطعام والحليب لطفلتها الرضيعة تدفعها إلى الاستمرار.

ورغم حملها شهادة جامعية، وجدت عالية نفسها أمام فرن النار بدلًا من العمل في مجال تخصصها، في محاولة للحفاظ على مصدر دخل يحفظ لعائلتها الحد الأدنى من مقومات الحياة.

ساعات العمل الطويلة وارتفاع درجات الحرارة أثرا على صحة هالة، حيث باتت تعاني من آلام في العينين وضعف في النظر، بينما أصيبت  إحدى بناتها بآلام في الصدر بسبب الدخان.

ولا تختلف معاناة هالة أبو حصيرة (25 عامًا)، التي فقدت زوجها خلال الإبادة وأصبحت المعيلة الوحيدة لأطفالها، إذ وجدت نفسها تخوض معركة يومية بين حرارة الفرن ومسؤولية إعالة أسرتها، وتقول: "عملي قيّد حركتي، وأتعب ظهري، وجعلني لا أهتم بأطفالي بالشكل المطلوب، فأنا اليوم أقوم بدور الأب والأم معًا".

في مواجهة أعباء الحرب

وتشير هالة إلى أن ساعات العمل الطويلة وارتفاع درجات الحرارة أثرا على صحتها، فهي تعاني من آلام في العينين وضعف في النظر، بينما تعاني إحدى بناتها من آلام في الصدر، وأخرى من سوء التغذية، في ظل صعوبة توفير الغذاء والرعاية الصحية.

ولا تمثل قصص أسماء وعالية وهالة حالات فردية، بل تعكس تحولًا أوسع في واقع النساء في قطاع غزة، إذ باتت نساء كثيرات يتحملن مسؤولية تأمين لقمة العيش وإعالة أسرهن، بعدما دفعت الظروف الاقتصادية والإنسانية القاسية آلاف النساء إلى العمل في مهن شاقة وغير تقليدية لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

وارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء من (12%) قبل الحرب إلى نحو (18%)، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كما تشير وزارة العمل الفلسطينية إلى أن نحو 57 ألف امرأة أصبحن المعيلات الرئيسات لأسرهن منذ بداية الحرب، بالتزامن مع تجاوز معدل البطالة (80%)، في ظل استمرار فقدان مصادر الدخل وتدهور الأوضاع المعيشية.

"ضغط نفسي مضاعف"

ولا تتوقف معاناة النساء عند الإرهاق الجسدي، إذ تمتد إلى آثار نفسية عميقة تفرضها ظروف الحرب والعمل القاسي.

يرى الطبيب النفسي ضياء أبو عون أن النساء اللاتي اضطررن للعمل -خلال الإبادة- على وجه العموم، يعشن ما يصفه بـ"خط نار مزدوج"، ما يسبب لهن إرهاقًا جسديًا ونفسيًا متراكمًا، إلى جانب القلق المستمر على الأطفال وفقدان الإحساس بالأمان.

ويشير إلى أن هذه الظروف قد تؤدي إلى "صدمة تراكمية" تظهر في صورة اضطرابات النوم، والقلق، وأعراض جسدية مثل الصداع وآلام الظهر والرقبة.

ويؤكد أبو عون أن تحمل مسؤولية إعالة الأسرة في ظل الفقر والحرب يمثل ضغطًا وجوديًا على النساء، داعيًا إلى توفير دعم نفسي ومادي لهن، لأن تخفيف العبء المعيشي يشكل خطوة أساسية في تحسين حالتهن النفسية.

هيئة الأمم المتحدة للمرأة: "تعاني 75% من النساء بغزة من الاكتئاب بشكل منتظم، و62% من الأرق، و65% من الكوابيس والقلق، في وقت لا تزال فيه خدمات الرعاية والدعم النفسي محدودة".

وتنسجم هذه الشهادات مع بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، التي تشير إلى اتساع دائرة المعاناة النفسية بين النساء في غزة؛ إذ تعاني 75% منهن من الاكتئاب بشكل منتظم، و62% من الأرق، و65% من الكوابيس والقلق، في وقت لا تزال فيه خدمات الرعاية والدعم النفسي محدودة، ما يترك كثيرات يواجهن هذه الضغوط وحدهن، بالتوازي مع معركة يومية لتأمين لقمة العيش لأسرهن.

وبين حرارة الأفران ولهيب الصيف وضغوط الحرب، لا تبحث هؤلاء النساء عن عمل فقط، بل عن وسيلة للبقاء؛ فكل رغيف يخرج من النار يحمل خلفه قصة امرأة تحملت ما يفوق طاقتها، في محاولة لحماية أسرتها وسط واحدة من أقسى الظروف الإنسانية.