بنك البذور.. ذاكرة الأرض محفوظة في خيمة!
تاريخ النشر : 2026-08-18 12:43

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في خيمة لا تتجاوز مساحتها 16 مترًا، غربي دير البلح وسط قطاع غزة، تضع المزارعة الشابة هنادي مهنا يدها على أكياس صغيرة مكدسة فوق بعضها، وتتفقد ما بقي فيها من بذور.

تنقل الجاروف الصغير بين الأكياس، تفتح بعضها وتتفحص محتوياتها، قبل أن تعيد إغلاقها بعناية. ليست هذه البذور مجرد محصول ينتظر موسمًا جديدًا، إنها ما تمكن المزارعون من إنقاذه من سنوات طويلة من الزراعة، وما يحاولون اليوم حمايته من الضياع، تمهيدًا لإعادته إلى الأرض.

تستعد هنادي لتسليم كميات منها إلى مزارعين في قطاع غزة، ضمن نشاط تطوعي لمشروع "بنك البذور"، الذي تعمل عليه مع والدها ومجموعة من المزارعين، في محاولة للتخفيف من أزمة نقص المنتجات الزراعية التي تفاقمت بفعل الحرب.

تقول لـ"نوى": "مع اشتداد أزمة الغذاء وفقدان المزارعين للبذور وارتفاع أسعارها، بدأنا البحث عن حلول تساعدهم. وفرنا بذورًا جديدة للمزارعين مجانًا، على أن يعملوا على إكثارها وإعادة جزء منها إلينا، وهكذا بدأنا العمل".

تعمل هنادي في الزراعة إلى جانب والدها منذ نحو عشرين عامًا في أرضهما شرقي القرارة، قبل أن يفقدا أرضهما البالغة مساحتها 15 دونمًا بعدما جرفها الاجتياح الإسرائيلي، لكن خسارة الأرض لم تكن وحدها ما هدد إرث العائلة الزراعي، فقد سبق لهنادي ووالدها أن أدركا أهمية الحفاظ على البذور نفسها.

ففي عام 2017م، بدأت مع والدها ومزارعين آخرين إنشاء بنك للبذور، جمعوا فيه بذورًا بلدية غير مهجنة لنحو 42 صنفًا من المحاصيل الغذائية.

وبدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، جُهز البنك بألواح للطاقة الشمسية وثلاجات وأجهزة لتجفيف البذور وأوعية لحفظها، وتمكن من جمع عدة أطنان منها، قبل أن يدمر الاجتياح المبنى بما يحتويه.

تقول هنادي: "قبل الحرب، كنا نستطيع حفظ البذور لسنوات، أما اليوم، في ظل غياب الثلاجات وانتشار القوارض، فلا نستطيع الاحتفاظ بها لأكثر من أربعة أشهر، وقريبًا سيتم توزيع الكمية المتوفرة على المزارعين".

وراء هذه الأكياس الصغيرة قصة بدأت قبل الحرب، ثم أعادتها الحرب إلى نقطة الصفر تقريبًا.

والدها سلامة مهنا، صاحب فكرة بنك البذور، يعرف قيمة ما يحاول إنقاذه جيدًا. فمنذ سنوات عمله في الزراعة، راكم خبرة في التعامل مع البذور البلدية التي يصفها بأنها أكثر قدرة على مقاومة التغيرات المناخية والآفات والحفاظ على استمرارية الإنتاج، خلافًا للبذور الهجينة التي تستخدم لموسم واحد.

يقول سلامة إن "البنك كان قبل الحرب يضم نحو 70 طنًا من البذور لـ42 صنفًا، بينها 38 صنفًا ثبت أنها بلدية بالكامل". ومع تدمير البنك، لم تنته الفكرة.

ويضيف: "أعدت إحياء الفكرة أواخر عام 2024م، ومع اشتداد أزمة المجاعة التي شهدها القطاع في 2025م جمعنا ما استطعنا من بذور المزارعين وأعدنا إنشاء البنك، وبدأنا توزيع البذور مجانًا على 42 مزارعًا، على أن يعملوا على إكثارها وإعادتها لنا".

يشير إلى الأكياس المكدسة أمامه، ويعدد ما تحتويه: "هذه بذور الفول، وهذه القمح، والسبانخ والسلق والكرفس والشعير".

ثم يتوقف عند ما لا تملكه الخيمة، "نفتقد بذورًا مهمة، مثل البندورة والخيار، ولم نتمكن من توفيرها"، يقولها بحسرة.

بالنسبة إلى المزارع الستيني، لا تكمن المشكلة فقط في جمع البذور، وإنما في القدرة على إبقائها صالحة حتى موعد زراعتها. فالبنك الذي عاد بإمكانات محدودة يفتقر إلى المكان المناسب للتخزين، فيما قد تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تلف البذور وتسوسها.

ويواجه المشروع تحديات أخرى تتعلق بإنتاج بعض الأصناف المحلية، وفق المهندس الزراعي عبد المنعم أحمد، النازح من بيت لاهيا والمتخصص في الزراعة العضوية.

يوضح أحمد أن إنتاج بذور محاصيل مثل البندورة والخيار والكوسا أصبح صعبًا بسبب الاعتماد على البذور الهجينة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على البذور البلدية التي تناقلها الآباء والأجداد مسألة زراعية وإنسانية في آن واحد، خصوصًا لقدرتها على التكيف مع الظروف المناخية والبيئية.

يقول: "دوري هو دعم القائمين على البنك في تصنيف البذور وترتيبها وتحديد طرق تخزينها المناسبة".

لكن ما ينقص البنك اليوم كثير: عبوات محكمة، وأجهزة تفريغ الهواء، وثلاجات، ومصدر ثابت للكهرباء.

وفي ظل غياب هذه الإمكانات، لا يملك القائمون على البنك ترف الانتظار؛ يوزعون البذور سريعًا مع بداية الموسم الزراعي، ثم يجمعون جزءًا من الإنتاج من المزارعين لإعادة تخزينه.

ويصف أحمد هذه الدورة بالمرهقة، لأنها تقوم على تقليل مدة بقاء البذور داخل البنك قدر الإمكان، لتجنب تلفها في ظروف التخزين الحالية.

خارج الخيمة، ينتظر مزارعون موسمًا جديدًا، لا تقل حاجتهم إلى البذور عن حاجتهم إلى الأرض نفسها.

في منطقة المشاعلة غرب دير البلح، يستعد المزارع قاسم فياض لبدء الموسم الشتوي، بعد صيف طويل أنهك الشتلات والمحاصيل، مع ارتفاع درجات الحرارة وما تسببه من جفاف وتلف.

يقول: "إن الزراعة خلال الحرب تحولت إلى وسيلة للاعتماد على النفس وتوفير الاحتياجات الأساسية".

بدأ فياض الزراعة منذ بداية نزوحه، بعدما كان يمتلك أرضًا في القرارة تضم أشجار زيتون عمرها 300 عام ونخيلًا بعمر 50 عامًا، قبل أن يسويها الاحتلال بالأرض.

يقول: "عندما نزحنا، تركنا كل شيء، حتى البذور التي كنا ننتجها ونحفظها بأنفسنا.. اضطررت إلى البحث عن بذور جديدة، وكانت أسعارها مرتفعة، وما لم أتمكن من شرائه كنت أحاول الحصول عليه من المحاصيل المتوفرة واختيار بذورها".

اليوم، يستعد فياض لزراعة السلق والسبانخ والفجل والبقدونس وغيرها من المحاصيل الشتوية، مستفيدًا من الأمطار لتخفيف أزمة الري.

ويؤكد أن ارتفاع أسعار البذور وفقدان أصناف كثيرة جعلا وجود بنك للبذور ضرورة للمزارعين، مشيرًا إلى أن الدعم الذي حصل عليه من البنك كان من أهم المساعدات التي تلقاها.

يقول: "الحرب تسببت في تراجع الزراعة والإنتاج المحلي، ونقص الخضراوات في الأسواق وارتفاع أسعارها، ونحن بحاجة لاستعادة نشاطنا الزراعي لتخفيف العبء على الناس".

لكن ما يواجهه بنك البذور لا يتعلق فقط بما يمكن جمعه اليوم، بل بما قد لا يكون متاحًا غدًا. يعمل يوسف الأسطل على إقناع المزارعين بأهمية إنتاج البذور البلدية والحفاظ عليها، ويروي أن جمع الأصناف لم يكن مهمة سهلة؛ إذ لم يكن من الممكن العثور عليها جميعًا لدى مزارع واحد.

يقول: "جمعنا 32 صنفًا من البذور، وكان من الصعب العثور عليها لدى مزارع واحد، لكننا تعاونّا مع نحو 42 مزارعًا وتمكنا من جمعها".

وبالتعاون مع مؤسسات شريكة، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حصل مزارعون على دعم مالي محدود لإنتاج البذور، ثم جرى جمعها وحفظها في البنك. كما نفذ المشروع مبادرة للحدائق المنزلية، أسهمت في زيادة كمية البذور المتوفرة، لكن بعض الأصناف المحلية لم يعد العثور عليها سهلًا.

يشير الأسطل إلى أن أصنافًا كثيرة أصبحت نادرة أو انقرضت، مثل العدس البلدي والحنظل والبابونج والبازلاء البلدية، إضافة إلى نباتات كانت تستخدم أعلافًا للحيوانات. في الوقت نفسه، تراجعت مساحة الأراضي الزراعية المتاحة للوصول إليها إلى نحو 1.5–2%، ما يهدد التنوع الزراعي ويصعّب استعادة الإنتاج.

لهذا، لا يحاول القائمون على بنك البذور فقط توفير ما يحتاجه المزارعون للموسم المقبل، بل استعادة دورة بدأت الحرب في قطعها، بذرة تُزرع، ومحصول يُنتج، وبذور تُستخلص منه، ثم تعود إلى البنك لتُزرع في موسم آخر.

ويختم الأسطل بأن بنك البذور يمكن أن يسهم، مع زيادة وعي المزارعين، في تقليل الاعتماد على البذور الهجينة وإعادة دورة الإنتاج الزراعي بصورة أفضل من الوضع الحالي.

في خيمة صغيرة، لا تتجاوز مساحتها 16 مترًا، تتراص الأكياس في انتظار موسمها، قد تبدو الكميات محدودة أمام اتساع الأراضي التي جُرفت، والأصناف التي فُقدت، والحقول التي لم يعد الوصول إليها ممكنًا، ما تحاول هنادي ووالدها والمزارعون من حولهما إنقاذه ليس بذورًا لموسم واحد، إنه ما تبقى من ذاكرة الأرض، محفوظًا في أكياس صغيرة، على أمل أن تجد طريقها مجددًا إلى التراب.