غزة.. لا قيمة لـ"الكاش" ولا عزاء لمن لا يمتلكون "حسابًا"
تاريخ النشر : 2026-08-18 15:00

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"بناخدش كاش"، جملة قصيرة باتت كفيلة بإرباك عملية شراء عادية في أحد أسواق قطاع غزة، إذ لم يعد حمل النقود الورقية في الجيب يعني بالضرورة القدرة على شراء ما يحتاجه صاحبها.

قد تكون الأوراق النقدية جديدة، مكتملة، وصالحة للتداول، لكن ذلك لا يكفي عندما يقرر التاجر أنه لا يقبل "الكاش"، وأن كل تعاملاته المالية صارت عبارة عن تحويلات بنكية.

تحكي رنا ياسين، وهي موظفة في إحدى الشركات الخاصة، أنها تتقاضى راتبها نقدًا، لكنها باتت تواجه صعوبة متزايدة في إنفاقه على احتياجاتها اليومية.

وفي كل مرة تمد يدها بالنقود لتاجر، تجد نفسها أمام خيارين: أن تبحث عن غيره كونه رفض استقبالها، أو أن تغادر المحل من دون أن تشتري ما جاءت من أجله.

ولا تتوقف المشكلة عند الأوراق النقدية القديمة أو المهترئة التي بات بعض التجار يتحفظون على استلامها، فحتى الأوراق الجديدة لا تضمن لصاحبها قبولها.

"المشكلة، في حالات كثيرة، لم تعد في شكل النقود، بل في النقود نفسها" تقول ياسين، مضيفةً: "صرت قبل أن أشتري السلعة أسأل صاحبها إذا كان يقبل الكاش. صار الموضوع متعبٌ جدًا خاصة لو كنت محتاجة لشيء ضروري".

أما الحاجة وداد المغني، البالغة 69 عامًا، فلا تملك أصلًا الطريق الآخر الذي يُطلب منها سلوكه. لا هاتف محمول لديها، ولا حساب إلكتروني، ولا معرفة بتطبيقات الدفع التي أصبحت جزءًا من تفاصيل البيع والشراء في القطاع.

"لا أعرف ما هو التطبيق البنكي. أنا معي مصروفي نقدًا، وهذا الذي أعرفه وأستطيع التعامل معه".

تقول: "لا أعرف ما هو التطبيق البنكي. أنا معي مصروفي نقدًا، وهذا الذي أعرفه وأستطيع التعامل معه".

تتنقل الحاجة وداد بين أحياء مدينة غزة لزيارة أشقائها وأبنائهم، وتحاول أن تحتفظ دائمًا بفئات نقدية صغيرة لدفع أجرة المواصلات وشراء احتياجاتها البسيطة، لكن حتى ذلك لم يعد سهلًا.

تخبرنا: "بعض الباعة يرفضون أخذ النقود الورقية مني، وقد اضطررت في أكثر من مرة إلى العدول عن شراء الفاكهة أو الخضار لأنني لم أجد من يقبل الدفع نقدًا".

بالنسبة إليها، لا يبدو التحول من النقود الورقية إلى الدفع الإلكتروني تطورًا تقنيًا في طريقة البيع والشراء، بل حاجزًا جديدًا يقف بينها وبين السوق.

وهي ليست وحدها، فمع اتساع الاعتماد على التحويلات البنكية وتطبيقات الدفع الإلكتروني، تتسع أيضًا دائرة من يجدون أنفسهم خارجها؛ كبار السن، ومن لا يملكون هواتف ذكية، ومن يتقاضون أجورهم بالعملة الورقية، أو من لا يمتلكون حسابات مصرفية قادرة على استقبال التحويلات.

في المقابل، يقف التجار أمام مشكلة أخرى دفعت كثيرين منهم إلى تفضيل التحويل الإلكتروني على النقود.

في منطقة الشيخ رضوان غربي مدينة غزة، يبيع سامر السوسي المعلبات على بسطة صغيرة.

يقول "إن التحول إلى الدفع الإلكتروني لم يكن بالنسبة إليه قرارًا مفاجئًا، بل استجابة لواقع فرضته أزمة "الفكة" وصعوبة إعادة الباقي للزبائن".

"التاجر قد يبيع سلعة، ثم يجد نفسه عاجزًا عن إعادة بضعة شواكل للزبون. العملات المعدنية نادرة، فيما يرفض بعض الزبائن أخذ أوراق نقدية مهترئة بدلًا منها".

ويشرح أن التاجر قد يبيع سلعة بمبلغ معين، ثم يجد نفسه عاجزًا عن إعادة بضعة شواكل للزبون، لأن العملات المعدنية والفئات الصغيرة نادرة، فيما يرفض بعض الزبائن أخذ أوراق نقدية مهترئة بدلًا منها.

يقول لـ"نوى": "الدفع الإلكتروني ريّحنا من مشكلة الفكة. المبلغ بيوصل كما هو، وما في حاجة لأن أظل أبحث عن شواكل أو نصف شيكل حتى أعيد الباقي".

لكن هذا الحل لا يخلو من قيود، فالمحافظ الإلكترونية والتطبيقات المالية ليست مفتوحة بلا حدود، يتابع: "تفرض علينا التعامل بقيمة معينة، يوميًا وشهريًا، وهذا يجعلنا غير قادرين دائمًا على إجراء التحويلات التي نريدها خصوصًا عندما تتراكم عمليات البيع والشراء".

"التعامل الإلكتروني أصبح أكثر سهولة بالنسبة إلى كثير من التجار، لا سيما في تعاملاتهم مع تجار الجملة، لكنه يدرك أن هذه السهولة لا تعني أنها متاحة للجميع".

ومع ذلك، يرى السوسي أن التعامل الإلكتروني أصبح أكثر سهولة بالنسبة إلى كثير من التجار، لا سيما في تعاملاتهم مع تجار الجملة، لكنه يدرك أن هذه السهولة لا تعني أنها متاحة للجميع، "فمن يملك هاتفًا وحسابًا وتطبيقًا يستطيع إتمام عملية الشراء خلال ثوانٍ، بينما قد يقف آخر أمام السلعة نفسها ممسكًا بأوراق نقدية لا يستطيع استخدامها" يعقب.

وهنا تكبر المشكلة من أزمة "فكة" إلى أزمة سيولة. يقول الصحفي والباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر: "إن تراجع التعامل بالنقود الورقية مقابل التوسع في الدفع الإلكتروني يعكس تحولًا اقتصاديًا فرضته الظروف الحالية، لكنه لا ينفصل عن أزمة أوسع تضرب الدورة النقدية في قطاع غزة".

ويوضح أن امتناع بعض التجار عن قبول النقود الورقية لا يتعلق دائمًا بقدم العملة أو تهالكها، بل يعكس حالة متزايدة من فقدان الثقة بالنقد المتداول، بحيث أصبح المواطن في بعض الحالات غير قادر على استخدام أمواله حتى عندما تكون الأوراق النقدية جديدة وصالحة للتداول.

ويشير أبو قمر إلى أن أزمة الفئات الصغيرة عمّقت المشكلة، إذ يجد المواطن نفسه أحيانًا مضطرًا إلى شراء سلعة إضافية لا يحتاج إليها، فقط حتى يتمكن من دفع المبلغ كاملًا، عندما يعجز التاجر عن إعادة الباقي.

ويصف جزءًا من الأموال النقدية الموجودة لدى المواطنين والتجار بأنه أصبح بمثابة "شيك خامل"، بسبب صعوبة تصريفه أو إعادته إلى دورة التداول الطبيعية، سواء تعلق الأمر ببعض الفئات القديمة والمهترئة أو العملات المعدنية الصغيرة.

ولا تقف تبعات ذلك عند حدود إزعاج المواطن في السوق، وفق أبو قمر، إذ إن تجميد جزء من الكتلة النقدية يؤدي إلى تقليص السيولة المتاحة للتداول، ويزيد من حالة الركود، خصوصًا في ظل أزمات أخرى مرتبطة بالحركة المصرفية وتجميد جزء من الحسابات البنكية.

وفي قطاع أنهكته الحرب والحصار، تصبح كل حلقة في دورة المال مهمة؛ من وصول النقد إلى يد المواطن، إلى قدرته على دفعه للتاجر، ثم إعادة التاجر استخدامه في شراء البضائع ودفع أجور العاملين وتغطية احتياجاته، لكن عندما تتوقف النقود عند حلقة معينة، يتعطل ما بعدها.

ويحذر أبو قمر من أن استمرار الاعتماد على الدفع الإلكتروني من دون معالجة أزمة النقد الورقي والفئات الصغيرة قد يوسع الفجوة بين المواطنين، خصوصًا بين من يمتلكون أدوات الدفع الحديثة ومن لا يملكون سوى السيولة النقدية.

أبو قمر: القضية لم تعد مجرد استجابة مؤقتة لظرف اقتصادي استثنائي، بل بدأت تتحول إلى نمط جديد من التعاملات المالية في غزة، قد يستمر حتى بعد انتهاء الحرب ما لم تُعالج الأسباب التي أنتجته.

كما يرى أن القضية لم تعد مجرد استجابة مؤقتة لظرف اقتصادي استثنائي، بل بدأت تتحول إلى نمط جديد من التعاملات المالية في غزة، قد يستمر حتى بعد انتهاء الحرب ما لم تُعالج الأسباب التي أنتجته.

ويؤكد أهمية عودة الدور التنظيمي للجهات الرسمية، وفي مقدمتها سلطة النقد، باعتبارها الجهة المخولة بتنظيم العلاقة المصرفية بين البنوك والتجار والمواطنين، والعمل على إعادة الثقة إلى النقد المتداول وتنظيم العلاقة بين الدفع النقدي والإلكتروني.

ويقول إن غياب الدور الفاعل للجهات الرسمية في معالجة الأزمات المصرفية منذ بداية الحرب أسهم في تفاقم المشكلة، في وقت تحتاج فيه السوق إلى جهة قادرة على ضبط العلاقة بين مختلف أطرافها، وضمان ألا يتحول اختيار وسيلة الدفع إلى وسيلة لإقصاء فئة من المواطنين.